212

Īqāẓ ulī al-himam al-ʿāliyya ilā ightinām al-ayām al-khāliya

إيقاظ أولي الهمم العالية إلى اغتنام الأيام الخالية

والسابعة: رأيتهم يذلون أنفسهم في طلب الرزق، فنظرت في قول الله تعالى: {وما من دابة في الأرض إلا على الله رزقها} فاشتغلت بما له علي وتركت ما لي عنده.

وأما الثامنة: فإني رأيتهم متوكلين على تجارتهم وصنائعهم وصحة أبدانهم فتوكلت على الله تعالى.

فائدة

اعلم أن ذكر الله تارة يكون لعظمته فيتولد منه الهيبة فالإجلال، وتارة يكون لقدرته فيتولد منه الخوف والحزن، وتارة لنعمته فيتولد منه الحمد والشكر؛ ولذلك قيل: ذكر النعمة شكرها، وتارة لأفعاله الباهرة فيتولد منه العبر، فحق على المؤمن أن لا ينفك أبدا من ذكره على أحد هذه الأوجه.

سأل بعضهم وكيعا عن مقدمه هو وابن إدريس وحفص على هارون الرشيد، فقال: كان أول من دعا به أنا.

فقال لي هارون: يا وكيع، إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيا وسموك لي فيمن سموا وقد رأيت أن أشركك في أمانتي.

فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا شيخ كبير وإحدى عيني ذاهبة والأخرى ضعيفة، فقال هارون: اللهم غفرا خذ عهدك أيها الرجل وامض.

فقلت: يا أمير المؤمنين، والله لئن كنت صادقا إنه لينبغي أن لا يقبل مني ولئن كنت كاذبا فما ينبغي أن تولي القضاء كذابا، فقال: اخرج فخرجت.

ودخل ابن إدريس فسمعنا وقع ركبتيه على الأرض حين برك وما سمعناه يسلم إلا سلاما خفيا.

فقال له هارون: أتدري لما دعوتك؟ قال: لا، قال: إن أهل بلدك طلبوا مني قاضيا وإنهم سموك لي فيمن سموا.

وقد رأيت أن أشركك في أمانتي وأدخلك في صالح ما أدخل فيه من أمر هذه الأمة فخذ عهدك وامض.

Page 213