من العلم بمعلوماته الغائبة من غير اضطرارٍ ولا استدلالٍ ولا خبر، فإذا
اطلعا على ذلك صارا يَعلمانه من جهة الوحي والتوقيف، وإذا كان ذلك
كذلك بطل ما قالوه.
ويحتمل أن يكون قولُه: (إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِنْ رَسُولٍ فَإِنَّهُ يَسْلُكُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ)
قطعُ الكلام واستئنافا لذكر الرسول وقصتِه وتأييده وحفظِه وغير ذلك، وإذا
كان ذلك كذلك بطل ما قالوه.
فأما تعلق الملحدة بقوله: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ)، وذكر فيها من صحافِ الذهب والفضة والولدان وغير ذلك
من تعظيم شأن نعيمها وإيصال لذاتها وسرورها وأنه منقوص بوصفه لها
بأنّ فيها أنهارًا من ماءٍ غير آسن، وأنهارًا من لبن لم يتغيّر طعمُه، وأنهارًا من
خمر لذةٍ للشاربين، وقولهم أن اللبنَ والخمرَ ليس مما يُستلذ، واللبنُ خاصةً
لا يطلبُه ويشتهيه إلا جائعٌ مضرور، وأن الموضع الموصوف بأنّ فيه ماءً غير
آسنٍ لا يكون إلا جدبًا قحطا غير مخصب فإنه باطل، لأن الخمرَ عند كل
أحدٍ مستلذ مشتهى، ولذلك حُرِّمت ومُنعت كسائر اللذات، وما تدعوه إليه النفوس والطباع، وذكرُه الأنهار إنّما هو إخبار عن كثرته، وأنَّه غير محصورٍ ولا مغيّرٍ مقترٍ محدود.
فأمّا ذكره اللبن فإنه صحيح، لأن العربَ تلذُّ اللبنَ وتشتهيه وتؤثره على
الماء وتختارُه عليه، وتجعلُه بمثابة الطعامِ والشراب، وليس بعد الماء شرابٌ
مفطور مخلوق من غير صنعةٍ ولا مزاج، وشربُ غيره من كل مائعٍ سواه.
فإنه لا يلذُّ بشربه إلا بصنعةٍ ومزاجٍ وتعديل، وكذلك ذِكْره العسل، لأنه مما
يلذُّ ويحب.
2 / 698
المقدمة
تمهيد
(باب) (القول في بيان حكم بسم الله الرحمن الرحيم والناس والفلق، ودعاء القنوت وترتيب سور القرآن ونظم آياته وعددها والقول في أول ما أنزل منه وآخره)
(باب) الكلام في بيان الحكم في أول ما نزل من القرآن وآخره ومكيه ومدنيه، وهل نص الرسول ﵇ على ذلك أم لا
(باب) القوله في ببان حكم كلام القنوت، وما روي عن أبي من الخلاف في ذلك
(باب) القول في ترتيب سور القرآن وهل وقع ذلك منهم عن توقيف أو اجتهاد
(باب) الكشف عن وجوب ترتيب آيات السور وأن ذلك إنما حصل بالنص والتوقيف دون الاجتهاد
(باب) الكلام في المعوذتين والكشف عن ظهور نقلهما وقيام الحجة بهما، وإبطال ما يدعونه من إنكار عبد الله بن مسعود لكونهما قرآنا منزلا
الجزء الثاني
(باب) تعلقهم بالشواذ والزوائد المروية عن السلف رواية الآحاد، وبيان فساد تعلقهم بذلك
باب ذكر مطاعنهم في صحة القرآن ونظمه من جهة اللغة ووصف شبه لهم تجمع ضروبا من مطاعنهم على التنزيل والكشف عن إبطالها
(باب) الكلام في معنى التكرار وفوائده ونقض ما يتعلقون به فيه