يعني شبهاء قل لهم يا محمد ﴿سَمُّوهُمْ أَمْ تُنَبِّئُونَهُ بِمَا لا يَعْلَمُ فِي الأرْض﴾ بأن معه شريكًا، ﴿أَمْ بِظَاهِرٍ مِنَ الْقَوْلِ﴾ يقول بل بأمر (^١) باطل وكذب ﴿بَلْ زُيِّنَ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مَكْرُهُمْ وَصُدُّوا عَنِ السَّبِيلِ وَمَنْ يُضْلِلِ اللَّهُ فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ (^٢) يقول: من يضلل الله منهم بحرمانه التسديد فما له من هاد أي (^٣) من مرشد قال: ﴿لَهُمْ عَذَابٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ﴾ فأخبر سبحانه أن الذين أضلهم يعذبهم في الدنيا (^٤) بالقتل ببدر ﴿وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَقُّ وَمَا لَهُمْ مِنَ اللَّهِ مِنْ وَاقٍ﴾ (^٥) يقيهم عذابه في الآخرة.
وأما قول المخالف: إن (^٦) الهدى على أضرب، فلسنا ننكر اشتراك المعاني في لفظة الهدى، فقد ذكر الله الهدى في القرآن في مائتين وستة وثلاثين موضعًا (^٧)، وهو على أوجه (^٨)، فمنه ما ورد والمراد به التأييد والتوفيق وهو
(^١) في الأصل (بأمره) وفي - ح- (أمره) والأصوب حذف الهاء كما أثبت ليزافق قول قتادة والضاك، فقد ذكر القرطبي عن قتادة أنه قال في الآية: "معناه بباطل من القول" وقال الضحاك: "بكذب من القول". انظر: تفسير القرطبي ٩/ ٣٢٣.
(^٢) الرعد آية (٣٣).
(^٣) (أي) ليست في - ح-.
(^٤) في - ح- زيادة (بعد علم) وليست في الأصل ولا معنى لها هنا.
(^٥) الجاثية آية (٣٤).
(^٦) (إن) ليست في - ح-.
(^٧) وردت كلمة الهدى وتصريفاتها في القرآن أكثر مما ذكر المصنف حيث بلغت ثلاثمائة وعشرة مواضع تقريبًا حسب عدها من المعجم المفهرس لألفاظ القرآن.
(^٨) بين ابن القيم ﵀ أن مراتب الهدى في القرآن أربع مراتب.
المرتبة الأولى: الهدى العام، وهو هداية كل نفس إلى مصالح معاشها وما يقيمها، وهذا أعم مرتبة والدليل عليها قوله تعالى: ﴿أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾ وقوله: ﴿الَّذِي خَلَقَ فَسَوَّى وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدَى﴾.
المرتبة الثانية: الهدى بمعنى البيان والدلالة والتعليم والدعوة إلى مصالح العبد في معاده، وهذا خاص بالمكلفين والدليل عليها قوله تعالى: ﴿وَأَمَّا ثَمُودُ فَهَدَيْنَاهُمْ فَاسْتَحَبُّوا الْعَمَى عَلَى الْهُدَى﴾ وقوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَتَهْدِي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ﴾.
المرتبة الثالثة: الهداية المستلزمة للاهتداء وهي هداية التوفيق ومشيئة الله لعبده الهداية وخلقه دواعي الهدى والقدرة عليه للعبد وهذه الهداية لا يقدر عليها إلا الله عزوجل، ودليلها قوله تعالى: ﴿إِنَّكَ لا تَهْدِي مَنْ أَحْبَبْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ﴾.
المرتبة الرابعة: الهداية يوم المعاد إلى الجنة والنار. دليلها قوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ فَاهْدُوهُمْ إِلَى صِرَاطِ الْجَحِيمِ﴾ وقوله تعالى: ﴿وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ سَيَهْدِيهِمْ وَيُصْلِحُ بَالَهُمْ﴾ شفاء العليل ص ١٥، ٧٩، ٨٠، ٨٤.