465

Al-intiṣār ʿalā ʿulamāʾ al-amṣār – al-mujallad al-awwal ḥattā 197

الأنتصار على علماء الأمصار - المجلد الأول حتى 197

والحجة على ذلك: هو أن المأخوذ على الإنسان إذا أراد الصلاة أن يكون على أحسن هيئة من الطهارة والنظافة في مكانه وملبسه وطهارة جسمه، وقد نبه الشرع على ذلك باشتراط طهارة هذه الأمور كما سنقرره في شروط الصلاة، فلهذا كره له ما يضاد ذلك ويناقضه، وقد قدره الهادي في (الأحكام) بثلاثة أيام، من جهة أن الثلاث قد صارت عددا متوسطا ليس فيه إفراط ولا تفريط، وهذه المسألة من الأمور المفوضة إلى رأي أهل الاجتهاد بالآراء الصائبة والأنظار الموفقة في فصل الخصومات الناشئة بين الخصوم، إذ ليس فيها إضرار على الخصمين عند اقتضاء المصلحة الشرعية لتوقيتها.

وهل يكون التقدير بالثلاث في غسل أثواب هؤلاء بتقريب أو تحديد؟ والأحسن أن يكون على جهة التقريب؛ لأن الحال في ذلك يختلف باختلاف أحوالهم في القلة والكثرة، فربما كان اليومان كالثلاث في استحباب الغسل لأجل كثرته، وربما كان العشر كاليومين في أنه لا يستحب الغسل لأجل قلته.

قال الإمام المؤيد بالله: فإن تعذر كانت الأيام الثلاثة كاليومين، وكانت الأربعة كالثلاثة في أن الإنسان يكون معذورا حتى يتمكن ويزيل من جسمه وثوبه ما أمكنه على قدر طاقته؛ لأنه وإن عذر في المعسور من ذلك فإنه غير معذور في الميسور منه، والميسور لا يسقط بالمعسور، فإن وجد ثوبا طاهرا يعزله للصلاة توجه ذلك عليه، فإذا فرغ من الصلاة غسل ما أصابه؛ لأنه مأخوذ عليه أن لا يصلي إلا في ثوب طاهر على قدر الحال، لقوله تعالى: {وثيابك فطهر}[المدثر:4].

وعلى الجملة فإن المأخوذ على هؤلاء الذين ذكرناهم من أهل هذه البلية، الاجتهاد فيما كلفوه من أمر الصلاة على ما يمكنهم ويقدرون عليه، لقوله : (( إذا أمرتم بأمر فأتوا به ما استطعتم)). فهذا ما أردنا ذكره في بيان أعيان النجاسات، وكيفية التطهير منها.

الفصل الثالث: في بيان حكم الاجتهاد في النجاسات في المسائل الخلافية الفقهية

Page 473