511

Al-inṣāf fī al-intiṣāf li-ahl al-ḥaqq min ahl al-isrāf

الانصاف في الانتصاف لأهل الحقق من أهل الاسراف

وهو أن يقال: لو كان القول بثبوت هذه المعاني حقا، للزم افتقار الله عزوجل واحتياجه إليها، ليقدر بالقدرة، وليعلم بالعلم، وليحيى بالحياة، وليريد بالارادة، وليتكلم بالكلام، وليسمع بالسمع، إلى غير ذلك... وإلا لم يكن لاثباتها له معنى لو لم يكن كذلك مفتقرا إليها، وللزم أيضا احتياج كل واحد من هذه المعاني وافتقاره إلى الله عز وجل ليقوم به. ففي القول بثبوت المعاني الحقيقية لا الوجودية لله، افتقار كل من الله والمعاني إلى الآخر، وهذا باطل ضرورة.

و أما القول الثاني - وهو أن الكلام الذي يخلقه الله في غيره ليس كلاما له، بل لذلك المحل الذي خلقه فيه - فالذي يدل على بطلان هذا القول: أن الاجماع قد انعقد فى أن النداء والخطاب والصوت إنما سمعه موسىا من الشجرة، و انه قام بالشجرة شيء، وذلك الشيء إما الله عز وجل -وتعالى عن ذلك -واما الكلام؛ ولا بد أن يكون حل في الشجرة وقام بها أحدهما لا محالة؛ إما الله - تعالى عن ذلك - وإما الكلام، ولا جائز أن يكون الله عز وجل هو الذي حل في الشجرة وقام بها، وهو المتكلم بنفسه وصوته القائم به، لبطلان ذلك بالضرورة، لم يبق أن الحال في الشجرة والقائم بها إلا الكلام!

ومعلوم بالضرورة أن الشجرة جماد، والجماد لا فعل له البتة، ولا يفعل شيئا ضرورة لا كلاما ولا غيره، وفي بطلان كون الله حل في الشجرة وقام بها، وكون الشجرة لها فعل، دليل على أن الكلام هو الذي قام بالشجرة فعله الله سبحانه وخلقه فيها، فهو كلامه وفعله لاكلامها ولا فعلها، وإن أضيف إليها ونسب فمجاز لا حقيقة اتفاقا.

ومما يزيد ذلك وضوحا وبيانا: أن الحجارة والشجرة وغيرها من الجماد

Page 144