Iman
الإيمان
Investigator
محمد ناصر الدين الألباني
Publisher
المكتب الإسلامي،عمان
Edition Number
الخامسة
Publication Year
١٤١٦هـ/١٩٩٦م
Publisher Location
الأردن
البدعة، بل أول من عرف في الإسلام أنه جعل مسمى الكلام المعنى فقط، هو عبد الله بن سعيد بن كُلاب، وهو متأخر في زمن محنة أحمد بن حنبل وقد أنكر ذلك عليه علماء السنة، وعلماء البدعة، فيمتنع أن يكون الكلام الذي هو أظهر صفات بني آدم كما قال تعالى: ﴿فَوَرَبِّ السَّمَاء وَالأَرْضِ إِنَّهُ لَحَقٌّ مِّثْلَ مَا أَنَّكُمْ تَنطِقُونَ﴾ [الذاريات: ٢٣] . ولفظه لا تحصى وجوهه كثرة - لم يعرفه أحد من الصحابة والتابعين وتابعيهم حتى جاء من قال فيه قولًا لم يسبقه إليه أحد من المسلمين، ولا غيرهم.
فإن قالوا: فقد قال الله تعالى: ﴿وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ﴾ [المجادلة: ٨]، وقال: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً﴾ [الأعراف: ٢٠٥] ونحو ذلك.
قيل: إن كان المراد أنهم قالوه بألسنتهم سرًا، فلا حجة فيه، وهذا هو الذي ذكره المفسرون. قالوا: كانوا يقولون: سلام عليك، فإذا خرجوا يقولون في أنفسهم، أي يقول بعضهم لبعض: لو كان نبيًا عذبنا بقولنا له ما نقول. وإن قدر أنه أريد بذلك أنهم قالوه في قلوبهم، فهذا قول مقيد بالنفس، مثل قوله: " عما حدثت به أنفسها "؛ ولهذا قالوا: لولا يعذبنا الله بما نقول فأطلقوا لفظ القول هنا، والمراد به ما قالوه بألسنتهم؛ لأنه النجوى والتحية التي نهوا عنها كما قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوَى ثُمَّ يَعُودُونَ لِمَا نُهُوا عَنْهُ وَيَتَنَاجَوْنَ بِالإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَمَعْصِيَتِ الرَّسُولِ وَإِذَا جَاؤُوكَ حَيَّوْكَ بِمَا لَمْ يُحَيِّكَ بِهِ اللَّهُ وَيَقُولُونَ فِي أَنفُسِهِمْ لَوْلا يُعَذِّبُنَا اللَّهُ بِمَا نَقُولُ﴾ [المجادلة: ٨]، مع أن الأول هو الذي عليه أكثر المفسرين، وعليه تدل نظائره؛ فإن النبي ﷺ قال: " يقول الله: من ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي، ومن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منه ". ليس المراد أنه لا يتكلم به بلسانه، بل المراد أنه ذكر الله بلسانه.
وكذلك قوله: ﴿وَاذْكُر رَّبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥] هو الذكر باللسان، والذي يقيد بالنفس لفظ الحديث يقال: حديث النفس، ولم
1 / 111