خَدِيجَةَ فَقَالَ: " زَمِّلُونِى زَمِّلُونِى " فَزَمَّلُوهُ حَتَّى ذَهَبَ عَنْهُ الرَّوْعُ. ثُمَّ قَالَ لِخَدِيجَةَ: " أَىْ خَدِيجَةَ، مَا لِى " وَأَخْبَرَهَا الْخَبَرَ، قَالَ: " لَقَدْ خَشِيتُ عَلَى نَفْسِى ". قَالَتْ لَهُ خَدِيجَةَ: كَلا، أَبْشِرْ، فَوَاللهِ، لا يُخْزِيكَ اللهُ أَبَدًا. وَاللهِ، إِنَّكَ لَتَصِلُ الرَّحِمَ، وَتَصْدُقُ الْحَدِيثَ،
ــ
وقوله: " ترجف بوادره ": قال الإمام: ترجُف: أي ترعدُ [بوادره وتضطرب] (١) والبوادر من الإنسان وغيره: اللحمة التى بين المنكب والعنق (٢). قاله أبو عبيد فى الغريب المصنف. [وقوله: " زملونى ": أى دثرونى بالثياب] (٣).
قال القاضى: قد رواه فى الأم - أيضًا - فى الحديث الآخر: " يرجُفُ فؤاده " وذكره البخارى - أيضًا - أى يخفق، والرجفان: الاضطرابُ وكثرةُ الحركة ومنه: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ الأَرْضُ وَالْجِبَالُ﴾ (٤)، وهذا هو سبب طلبه أن يُزَمَّل ويُدثَّر، أى يُغَطَّى وَيُلفُّ بالثياب، لِشدَّة ما أصابه من هول الأمر، ولحقه من شِدَّة الغطِّ وثِقَلِ الوحى، وإن كان قد قال بعض المفسرين: إنه إنما كان يفعل هذا فَرقًا من جبريل لأول ما يلقاهُ حتى أنس به، وقيل: بل قيل له: يا أيها المدَّثر والمزمِّل لأنه حين أتاه الملك وجده متزملًا ملتفًا بثوبه فنودى بصفة حاله. والأول أصح وأولى لفظًا ومعنًى. والتزمُّل والتدثر واحدٌ.
ويقال لكل ما يلقى على الجسد: دثارٌ، ولِلفَافَةِ القربهِ: زمالٌ، ومعنى المزَّمِّل والمدثر: المتزمّلُ والمتدثرُ، أدغَمت التاء فيما بعدها، وقد جاء فى أثر أنهما من أسمائه ﷺ (٥).
وقوله: " لقد خشيتُ على نفسى ": ليس بمعنى الشك فيما أتاه من الله، لكنه
(١) من المعلم.
(٢) نقلها الأبى: العنق والكتف.
(٣) من المعلم.
(٤) المزمل ١٤.
(٥) لم أقف عليه. وغاية ما يقال هنا ما ذكره ابن رشد فى حديث: " لى خمسةُ أسماء، أنا محمد، وأنا أحمد، وأنا الماحى الذى يمحو الله بى الكفر، وأنا الحاشر الذى يحشر الناس على قدمى، وأنا العاقب " قال: ليس فى اللفظ ما يدل على أنه ليس له اسم غيرها، قال الأبى: " وأيضًا فإنها كلها مشتقة كما أشار إليه بقوله: " الذى يمحو الله بى الكفر " فلا يمنع أن تكون له أسماء مشتقة من صفاته ﷺ، كما روى أنه قال: " وأنا المقفى، ونبى التوبة؛ ونبى الملحمة " فالمقفى كالعاقب يقفو ويعقب من تقدمه من الأنبياء ﵈ ونبى التوبة؛ لأن به تاب الله - سبحانه - على من تاب، ونبى الملحمة الذى يكف بالقتال عن الدين، فلم يذكر المدثر والمزمّل كما نرى ". إكمال ١/ ٢٨٤.