33

Akhbār al-ʿulamāʾ bi-akhbār al-ḥukamāʾ

اخبار العلماء بأخبار الحكماء

Regions
Syria
Empires & Eras
ʿAbbāsids

وحكى أبو علي بن مكنجا النصراني الكاتب قال لما وافي عضد الدولة في سنة أربع وستين وثلاثمائة إلى مدينة السلام استدعاني أبو منصور نصر بن هارون وكان قد ورد معه إذ ذاك وسألني عن أطباء بغداد وكان السبب في ذلك أن عضد الدولة قال له تويه أن تنظر أحذق طبيب ببغداد فتقدم إليه أن يحضر دارنا ويتأمل أمرنا ويقول لك ما عنده في موافقة هذا البلد لنا وغير ذلك قال ابن مكنجا فاجتمعت مع عبد يشوع الجاثليق وسألته عنهم قال ههنا جماعة لا نعول عليهم والمنظر إليه أبو الحسن الحراني وهو رجل عاقل لا مثل له في صناعته وفيروز وهو قليل التحصيل وأبو الحسن صديقي وأنا أبعثه على الخدمة وأشير عليه بالملازمة لها وخاطب الجاثليق أبا الحسن على قصد أبي منصور نصر بن هارون فقصده فنقدم إليه بأن يحضر دار عضد الدولة ويتأمل حاله وما يدبر به أمره فتلقى ذلك بالسمع والطاعة وشرط أن يعرف صورته في مأكله ومشربه وبواطن أكره وطالع أبو منصور عضد الدولة بالصورة وحضر أبو الحسن الدار وعرف جميع ما سأل عنه وأحضر إليه بالتماسه فراش خاص خبير بأمر الملك فسأله في مدة ثلاثة أيام على أحواله وتصرفه في خلواته فأخبره وتردد أياما ثم انقطع واجتمع مع الجاثليق فعاتبه الجاثليق على انقطاعه وعرفه وقوع الإنكار له فقال له لا فائدة في مضي ولست أراه صوابا لنفسي وللملك أطباء فضلاء عقلاء وقد عرفوا من تدبيره وطبعه ما يستغني بهم عن غيرهم في ملازمته وخدمته فألح الجاثليق عليه وسأله عن علة ما هو عليه في هذا الفعل والاحتجاج فيه بمثل هذا العذر فقال له قد جربت أمر هذا الملك وهو متى أقام ببغداد سنة على ما هو عليه من ملازمة السهر والاجتهاد في تدبير الملك وكثرة الأكل والشرب والنكاح قد عقله ولست أوثر أن يجرى ذلك على يدي وأنا مدبره وطبيبه ثم أن قال للجاثليق إن أنهيت هذا القول عنه جحدته وحلفت بالله والبراءة من ديني ما قلته وكان عليك في ذلك ما تعلمه فأمسك الجاثليق وكتم هذا الحديث فلما عاد عضد الدولة إلى العراق في الدفعة الثانية كان الأمر على ما أنذر به فيه. وذكر أبو الحسن بن أبي الفرج بن أبي الحسن بن سنان وكان أبو الحسن هذا المخبر أوحد زمانه في الطب لا يقصر عن متقدميه من الأهل قال حدثني أبو الفرج أبي قال حدثني أبو الحسن أب قال كنت وأبو الحسن الحراني يوما في دار أبي محمد المهلبي الوزير فقدم أبو عبد الله بن الحجاج الشاعر إلى الحراني وأعطاه له مجسه فقال له قلت لك غلظ غذاءك وأظنك أسرفت في ذلك حتى أكلت مضيرة بلحم عجل فقال كذاك والله كان وعجب هو والجماعة ومد إليه أبو العباس بن المنجم يده فأخذ مجسه وقال وأنت يا سيدي أسرفت في التبريد أيضا وأظنك قد أكلت إحدى عشرة رمانة فقال أبو العباس هذه نبوة لا طب وزاد العجب والتفاوض في ذلك من الجماعة الحاضرة وكنت أنا أيضا أكثرهم استطرافا وتعجبا وبلغ المجلس الوزير فاستدعانا وقال يا أبا الحسن ما هذه المعجزات الظاهرة لك فدعا له وجرى التفاوض لذلك وأنا ممسك لا ادري ما أقول فيه وخرجنا وقلت له يا سيدي يا أبا الحسن صناعة الطب معروفة بيننا لا يخفى عني شيء منها فبين لي من أين ذلك النص على أن المضيرة كانت بلحم عجل لا بقرة ولا ثور ومن أين لك الدليل على أن عدد الرمان إحدى عشرة فقال هو شيء يخطر ببالي فينطق به لساني فقلت صدقتني والله إذا أرني مولدك وجئت معه إلى داره فأخرج لي مولده ونظرت فيه فرأيت سهم الغيب في درجة الطالع مع درجة المشتري وسهم السعادة فقلت له يا عزيزي هذا تكلم لا أنت وكل ما تصيب في الطب من مثل هذا الحدس والقول فهذا سببه وأصله.

وذكر المحسن بن إبراهيم الصابي قال أصابتني حمى حادة كان هجومها علي بغتة فحضر أبو الحسن عمنا وأخذ بحسي ساعة ثم نهض ولم يقل شيئا فقال له والدي ما عندك يا عمي في هذه الحمى فقال له سرا لا تسألني عن ذلك إلى أن يجوزه خمسون يوما فوالله لقد فارقتني في اليوم الثالث والخمسين.

وتوفي أبو الحسن ثابت بن إبراهيم في آخر نهار يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة بقيت من شوال سنة تسع وستين وثلاثمائة ببغداد وكان مولده بالرقة ليلة يوم الخميس لليلتين بقيتا من ذي القعدة سنة ثلاث وثمانين ومائتين.

Page 52