Al-Ijtihād min kitāb al-talkhīṣ li-imām al-ḥaramayn
الاجتهاد من كتاب التلخيص لإمام الحرمين
Editor
د. عبد الحميد أبو زنيد
Publisher
دار القلم،دارة العلوم الثقافية - دمشق
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٨
Publisher Location
بيروت
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم = كتاب الِاجْتِهَاد =
القَوْل فِي تصويب الْمُجْتَهدين وَذكر وُجُوه الْخلاف فِيهِ
اعْلَم وفقك الله ان مَا يجْرِي فِيهِ كَلَام الْعلمَاء يَنْقَسِم الى الْمسَائِل القطعية والى الْمسَائِل الاجتهادية الْعَارِية عَن ادلة الْقطع
فَأَما الْمسَائِل القطعية فتنقسم الى الْعَقْلِيَّة والسمعية
فَأَما الْعَقْلِيَّة فَهِيَ الَّتِي تنتصب فِيهَا ادلة الْقطع على الِاسْتِقْلَال
1 / 23
وتفضي الى الْمطلب من غير افتقار الى تَقْرِير الشَّرْع وَذَلِكَ مُعظم مسَائِل العقائد نَحْو اثبات حدث الْعَالم واثبات الْمُحدث وَقدمه وَصِفَاته وتبيين تنزيهه عَمَّا يلْزم فِيهِ مضاهاة الْحَوَادِث واثبات الْقدر واثبات جَوَاز الرُّؤْيَة وابطال القَوْل بِخلق الْقرَان وَتَحْقِيق قدم الارادة الى غير ذَلِك من الاصول
واما الشَّرْعِيَّة فَكل مَسْأَلَة تنطوي على حكم من احكام التَّكْلِيف مَدْلُول عَلَيْهَا بِدلَالَة قَاطِعَة من نَص اَوْ اجماع
وَقد اخْتلفت عِبَارَات اصحابنا اذ سئلوا عَن تَحْدِيد مسَائِل الاصول فَذكر القَاضِي عِبَارَات فِي مصنفاته فَقَالَ فِي بَعْضهَا حد الاصل مَالا يجوز التَّعَبُّد فِيهِ الا بِأَمْر وَاحِد فيندرج تَحت هَذَا الْحَد مسَائِل الِاعْتِقَاد وَيخرج عَنهُ مسَائِل الشَّرْع أجمع قطعيها ومجتهدها
وَقَالَ مرّة اخرى حد الاصل يَصح من النَّاظر العثور فِيهِ على الْعلم من غير تَقْدِير وُرُود الشَّرْع
وزيف فِي هَذَا الْكتاب مَا ذكره فِي كتبه وَقَالَ لَا يَنْبَغِي ان نحد
1 / 24
بِهَذِهِ وامثالها اصول الدّين اذ يدْخل عَلَيْهَا وجوب معرفَة الْبَارِي وَمَعْرِفَة صِفَاته وَوُجُوب معرفَة النُّبُوَّة فوجوب معرفَة هَذِه الاصول من اصول الدّين فَلَا سَبِيل الى الحاق هَذَا الْقَبِيل بمسائل الْفُرُوع مَعَ علمنَا بِأَن الْوُجُود لَا يثبت الا شرعا فَبَطل من هَذَا الْوَجْه حصر مسَائِل الاصول فِي العقليات وَلذَلِك يجوز تَقْدِير نسخ وجوب الْمعرفَة عندنَا فَكل مَا ثَبت اصله بِالشَّرْعِ يجوز فِيهِ تَقْدِير النّسخ
فالحد الصَّحِيح الَّذِي عول عَلَيْهِ فِيمَا هُوَ من اصول الدّين ان قَالَ كل مَسْأَلَة يحرم الْخلاف فِيهَا مَعَ اسْتِقْرَار الشَّرْع وَيكون مُعْتَقد خلَافهَا جَاهِلا فَهِيَ من الاصول سَوَاء استندت الى العقليات ام لم تستند اليها
فَإِن قَالَ قَائِل فالعقليات الَّتِي يتَكَلَّم فِيهَا ارباب الْكَلَام وَيَقَع الِاسْتِقْلَال بذواتها فِي العقائد تعد من الاصول وَلَا يتَحَقَّق فِيهَا تَحْرِيم الْخلاف
قُلْنَا ان كَانَت مناطة بقاعدة من قَوَاعِد الدّين وان كَانَت من
1 / 25
الدقائق يحرم الْخلاف فِيهَا وان كَانَت لَا تتَعَلَّق بِشَيْء من الْقَوَاعِد فَلَا تعد من اصول الدّين وانما اعتبارنا بأصول الدّين
حكم تصويب الْمُجْتَهدين فِي الاصول
فَإِذا عرفت مَا هُوَ الاصل فَلَا تقل فِيمَا هَذَا سَبيله ان كَانَ مُجْتَهد مُصِيب بل الْمُصِيب فِيهَا وَاحِد وَمن عداهُ جَاهِل مخطىء وَهَذَا مَا صَار اليه كَافَّة الاصوليين الا عبيد الله بن الْحسن الْعَنْبَري فَإِنَّهُ ذهب الى ان كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الاصول كَمَا ان كل مُجْتَهد مُصِيب فِي الْفُرُوع
ثمَّ اخْتلفت الرِّوَايَات عَنهُ فَقَالَ فِي اشهر الرِّوَايَتَيْنِ انا اصوب كل
1 / 26
مُجْتَهد فِي الَّذين تجمعهم الْملَّة واما الْكَفَرَة فَلَا يصوبون وغلا بعض الروَاة عَنهُ فصوب الكافة من الْمُجْتَهدين دون الراكنين الى الدعة والمعرضين عَن امْر الِاجْتِهَاد وَحَقِيقَة مذْهبه يبين فِي الْخلاف فَهَذَا بَيَان اُحْدُ الْقسمَيْنِ وَهُوَ مسَائِل الاصول
حكم الْمُجْتَهدين فِي الْفُرُوع من حَيْثُ التصويب والتخطئة
فاما مسَائِل الْفُرُوع فَنَذْكُر حَدهَا اولا
واصح مَا يُقَال فِيهَا ان نقُول كل حكم فِي افعال الْمُكَلّفين لم يقم عَلَيْهِ دلَالَة عقل وَلَا ورد فِي حكمه الْمُخْتَلف فِيهِ دلَالَة سمعية قَاطِعَة فَهُوَ من الْفُرُوع
1 / 27
واذا اخْتلف فِيهِ الْعلمَاء فِي مباينة اجتهادهم فَمَا حكمهم فِي التصويب والتخطئة
فاما نفاة الْقيَاس فقد قطعُوا بَان الْمُصِيب وَاحِد وعينوه وَزَعَمُوا ان من اخطأ الْحق الْمعِين فَهُوَ مأثوم مأزور وَلم يقل بِهَذَا الْمَذْهَب من القائسين الا الاصم وَبشر المريسي فانهما زعما ان الْمُصِيب وَاحِد وَالْمَطْلُوب وَاحِد وَمن تعداه مأثوم
1 / 28
وَصَارَ كَافَّة الْعلمَاء الى نفي الاثم والحرج فِي مسَائِل الْفُرُوع وَاخْتلفُوا بعد ذَلِك فِي التصويب
فاما الشَّافِعِي ﵀ فَلَيْسَ لَهُ فِي الْمَسْأَلَة نَص على التَّخْصِيص لَا نفيا وَلَا اثباتا وَلَكِن اخْتلف النقلَة عَنهُ المستنبطون من قضايا كَلَامه
فَذهب الاكثرون الى انه يَقُول الْمُصِيب وَاحِد ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَذهب بَعضهم الى انه كَانَ يَقُول الْمُجْتَهد كلف الِاجْتِهَاد والعثور على الْحق وَنصب الدَّلِيل المفضي الى الْعلم بِمَا كلف فان اصابه فَلهُ اجران وان اخطاه فالوزر محطوط عَنهُ لغموض الدَّلِيل والى هَذَا الْمَذْهَب صَار مُعظم الْقَائِلين بَان الْمُصِيب وَاحِد
وَذهب اخرون الى ان الْحق لَا دَلِيل عَلَيْهِ يُفْضِي الى الْعلم بِهِ وَلكنه كالشيء الْمكنون يتَّفق العثور عَلَيْهِ ويتفق تعريه وَلَيْسَ على الْعلم بِهِ دَلِيل
ثمَّ اخْتلف هَؤُلَاءِ فَذهب بَعضهم الى ان العثور عَلَيْهِ مِمَّا يجب على الْمُكَلف وان لم يكن عَلَيْهِ دَلِيل يُفْضِي الى الْعلم
وَذهب اخرون الى ان العثور عَلَيْهِ لَيْسَ بِوَاجِب وانما الْوَاجِب الِاجْتِهَاد وَهَذَا حَقِيقَة مَذْهَب من يَقُول ان كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده
واما ابو حنيفَة فقد اخْتلفت الرِّوَايَة عَنهُ وَالَّذِي يَصح عَنهُ انه كَانَ
1 / 29
يَقُول كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده واحدهم عاثر على الْحق وَالْبَاقُونَ مخطئون فِيهِ وَكلهمْ على الصَّوَاب بِالِاجْتِهَادِ
قَالَ القَاضِي وَالَّذِي توضح عندنَا من فحوى كَلَام الشَّافِعِي ﵀ القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين وَقد نقل ذَلِك بعض اصحاب الشَّافِعِي عَنهُ صَرِيحًا وعد نصوصا منبئة عَمَّا قَالَه
وَالصَّحِيح من مَذْهَب الشَّافِعِي ان الْمُصِيب وَاحِد
وَذهب طَائِفَة من الْعلمَاء الى ان الْمُجْتَهد مَأْمُور بِطَلَب الاشبه وَصَارَ مُحَمَّد بن الْحسن وابو يُوسُف
1 / 30
وَابْن سُرَيج فِي احدى الرِّوَايَتَيْنِ عَنهُ الى مثل ذَلِك وَلَا يتَبَيَّن الاشبه الا بتفصيل وسنقرر فِيهِ بَابا
فَهَذِهِ جملَة الْمذَاهب الَّتِي عدا القَوْل بتصويب الْمُجْتَهدين اجْتِهَادًا وَحكما
وَمَا صَار اليه الْمُعْتَزلَة قاطبة ان كل مُجْتَهد مُصِيب اجْتِهَادًا وَحكما وَمَال شَيخنَا ابو الْحسن الى ذَلِك وَهُوَ اخْتِيَار القَاضِي وكل من انْتَمَى الى الاصول الا الاستاذ ابا اسحق فانه صَار الى ان الْمُصِيب
1 / 31
وَاحِد وَحكى الطَّبَرِيّ ذَلِك عَن ابْن فورك وَالَّذِي عندنَا انه كَانَ يَقُول بتصويب الْمُجْتَهدين
وَنحن الان نرد على الْعَنْبَري اولا ثمَّ نذْكر شبه الْقَائِلين بَان الْمُصِيب وَاحِد ونتقصى عَن جَمِيعهَا ثمَّ نذْكر ادلتنا ثمَّ نقرر بعد ذَلِك ثَلَاثَة ابواب احدها فِي الرَّد على من قَالَ كل مُجْتَهد مُصِيب فِي اجْتِهَاده وَالثَّانِي فِي الْقَائِلين بالاشبه وَالثَّالِث فِي القَوْل بالتخيير مَعَ تصويب الْمُجْتَهدين
مَسْأَلَة فِي الرَّد على الْعَنْبَري
حَيْثُ قَالَ بتصويب الْمُجْتَهدين فِي مسَائِل الاصول فَنَقُول لَا يَخْلُو من اُحْدُ امرين فِي الْمُخْتَلِفين فِي نفي الصِّفَات واثباتها وَالْقَوْل بِخلق الْقُرْآن وَقدمه وَغَيرهمَا من مسَائِل الاصول
اما ان يَقُول كل وَاحِد من المذهبين حق وَهُوَ علم ثَابت مُتَعَلق بالمعلوم على مَا هُوَ بِهِ فان قَالَ ذَلِك فَهُوَ خُرُوج مِنْهُ الى
1 / 32