Ijmāl al-iṣāba fī aqwāl al-ṣaḥāba
إجمال الإصابة في أقوال الصحابة
Editor
د. محمد سليمان الأشقر
Publisher
جمعية إحياء التراث الإسلامي
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٧
Publisher Location
الكويت
Regions
•Palestine
Empires & Eras
Mamlūks (Egypt, Syria), 648-692 / 1250-1517
مُقَدّمَة الْمُؤلف
بِسم الله الرَّحْمَن الرَّحِيم وَمَا توفيقي الا بِاللَّه
اما بعد حمد الله الَّذِي فضل هَذِه الامة على سَائِر الامم وَجعل للصدر الاول من ذَلِك اكثر الانصباء واوفر الْقسم واختصهم لصحبة نبيه ﵇ الْمَبْعُوث بمحاسن الشيم ومجامع الحكم وهداهم بِمَا شهدُوا من احواله وفهموا من اقواله وشاهدوا من افعاله الى ارشد لقم فهم خير الْقُرُون بالاجماع واولاها بالاقتداء والاتباع واهل الْبَأْس وَالْكَرم
فَهَذَا تَحْقِيق مَا اخْتلف فِيهِ من الِاحْتِجَاج بأقوالهم المنفردة وَمَا فِي ذَلِك من الْمذَاهب المتعددة مَعَ بَيَان مداركها وايضاح مسالكها وَالْجَوَاب عَمَّا لَا يعْتَمد مِنْهَا وازاحة الشّبَه والانفصال عَنْهَا
وعَلى الله الِاعْتِمَاد وَمِنْه العون واياه نسْأَل التَّوْفِيق والصون فَهُوَ على كل شَيْء قدير وبالاسعاف جدير
وَالْكَلَام فِي هَذِه المسالة ينْحَصر فِي اطراف
1 / 19
الطّرف الاول قَول الصَّحَابِيّ اذا اشْتهر بَينهم جَمِيعًا وَلم ينكروه
اذا قَالَ الْوَاحِد مِنْهُم قولا اَوْ اكثر من الْوَاحِد كالاثنين وَالثَّلَاثَة واشتهر ذَلِك بَين البَاقِينَ وَلم ينكروه وَلَا ظهر مِنْهُم مُوَافقَة لذَلِك الْقَائِل بقول اَوْ فعل وَلَا انكار
وَهَذَا هُوَ الْمُسَمّى الاجماع السكوتي
ولائمة الاصوليين فِي تصَوره طَرِيقَانِ
احداهما من جعل ذَلِك فِي حق كل عصر من عصور الْمُجْتَهدين وَهَذَا هُوَ الَّذِي صرح بِهِ الْحَنَفِيَّة فِي كتبهمْ وامام الْحَرَمَيْنِ وَالشَّيْخ ابو اسحاق الشِّيرَازِيّ فِي شرح اللمع وفخر الدّين الرَّازِيّ فِي كتبه وَسَائِر اصحابه وَسيف الدّين الامدي وَابْن الْحَاجِب فِي مختصريه وَغَيرهم والقرافي من الْمَالِكِيَّة وَغَيره من المتاخرين
وتفصيل الْمذَاهب على هَذِه الطَّرِيقَة ان احْمَد بن حَنْبَل وَجُمْهُور الْحَنَفِيَّة وَكَثِيرًا من اصحابنا قَالُوا انه اجماع وَحجَّة وَمِنْهُم من عزاها الى الشَّافِعِي وَكَذَلِكَ قَالَ بعض الْمُعْتَزلَة لَكِن شَرط الجبائي ابو عَليّ وَغَيره مِنْهُم فِي ذَلِك انْقِرَاض الْعَصْر
وَالَّذِي ذهب اليه جُمْهُور اصحابنا وَبَعض الْحَنَفِيَّة وَدَاوُد الظَّاهِرِيّ ان ذَلِك لَا يكون اجماعا وَلَا حجَّة قَالَ الامام فِي الْبُرْهَان هُوَ ظَاهر مَذْهَب الشَّافِعِي وَنَقله الْغَزالِيّ فِي المنخول عَن الْجَدِيد
1 / 20
وَذهب ابو بكر الصَّيْرَفِي من اصحابنا وابو هَاشم بن الجبائي الى انه حجَّة وَلَيْسَ باجماع
وَقَالَ ابو عَليّ بن ابي هُرَيْرَة ان كَانَ ذَلِك حكما من الاحكام لم يكن سكُوت البَاقِينَ اجماعا وَلَا حجَّة وان فَتْوَى كَانَ سكوتهم اجماعا
وَعكس الاستاذ ابو اسحاق الاسفرائيني فَقَالَ يكون اجماعا فِي الحكم دون الْفتيا
وَاخْتَارَ الامدي فِي الاحكام انه يكون حجَّة وَلَيْسَ بِإِجْمَاع وَهُوَ قريب من قَول الصَّيْرَفِي وابي هَاشم
وَوَافَقَهُ ابْن الْحَاجِب فِي مُخْتَصره الْكَبِير وردد فِي مُخْتَصره الصَّغِير اخْتِيَاره بَين ان يكون اجماعا اَوْ حجَّة
وَالطَّرِيق الثَّانِيَة قَول من خص صُورَة الْمَسْأَلَة بعصر الصَّحَابَة ﵃ دون من بعدهمْ
قَالَ ذَلِك من اصحابنا ابو الْحُسَيْن الْقطَّان فِي كِتَابه اصول الْفِقْه وابو نصر بن الصّباغ فِي كِتَابه الْعدة وابو المظفر بن السَّمْعَانِيّ فِي كِتَابه الْحجَّة وَالْغَزالِيّ فِي الْمُسْتَصْفى والمنخول وَابْن برهَان وَغَيرهم وَقَالَهُ القَاضِي عبد الْوَهَّاب من الْمَالِكِيَّة وَاخْتَارَهُ الْقُرْطُبِيّ من متأخريهم كَمَا سَيَأْتِي وَالشَّيْخ موفق الدّين الْحَنْبَلِيّ فِي الرَّوْضَة وَخَصه بالمسائل التكليفية وَقَالَ عَن احْمَد مَا يدل على انه اجماع
وَحكى هَؤُلَاءِ الْمذَاهب نَحوا مِمَّا تقدم
وَنقل ابْن السَّمْعَانِيّ عَن ابي بكر الصَّيْرَفِي انه قَالَ فِي كَونه حجَّة لَا اجماعا
1 / 21
وَقيل ان هَذَا مَذْهَب الشَّافِعِي قَالَ وَبِه قَالَ الْكَرْخِي من الْحَنَفِيَّة وَبَعض الْمُعْتَزلَة
وَحكى القَوْل بِكَوْنِهِ اجماعا فِي صُورَة الحكم دون الْفَتْوَى عَن ابي اسحاق الْمروزِي لَا عَن الاستاذ ابي اسحاق
وَقَالَ القَاضِي الْمَاوَرْدِيّ فِي كِتَابه الْحَاوِي ان كَانَ من غير عصر الصَّحَابَة فَلَا يكون انتشار قَول الْوَاحِد مِنْهُم مَعَ امساك غَيره اجماعا وَلَا حجَّة وان كَانَ فِي عصر الصَّحَابَة ﵃ فاذا قَالَ الْوَاحِد مِنْهُم قولا اَوْ حكم بِهِ فامسك الْبَاقُونَ فَهَذَا على ضَرْبَيْنِ
احدهما ان يكون فِيمَا يفوت استدراكه كاراقة دم اَوْ اسْتِبَاحَة فرج فَيكون اجماعا لانهم لَو اعتقدوا خِلَافه لانكروه اذ لَا يَصح مِنْهُم ان يتفقوا على ترك انكار مُنكر
وَثَانِيهمَا ان كَانَ مِمَّا لَا يفوت استدراكه كَانَ حجَّة لَان الْحق لَا يخرج عَنْهُم وَفِي كَونه اجماعا يمْنَع الِاجْتِهَاد وَجْهَان لاصحابنا احدهما يكون اجماعا لَا يسوغ مَعَه الِاجْتِهَاد وَالثَّانِي لَا يكون اجماعا وَسَوَاء كَانَ هَذَا القَوْل حكما اَوْ فتيا
وَفرق ابو عَليّ ابْن ابي هُرَيْرَة فَجعله اجماعا ان كَانَ فتيا وَلم يَجعله اجماعا ان كَانَ حكما وَعَكسه غَيره من اصحابنا انْتهى كَلَامه
وَاخْتَارَ امام الْحَرَمَيْنِ فِي اخر الْمَسْأَلَة انه ان كَانَ ذَلِك مِمَّا يَدُوم ويتكرر وُقُوعه والخوض فِيهِ فانه يكون السُّكُوت اجماعا وان صُورَة الْخلاف فِي السألة اذا فرض السُّكُوت فِي الزَّمن الْيَسِير
1 / 22
وَقد تقدم انه فرض الْمَسْأَلَة بِالنِّسْبَةِ الى كل عصر لَا فِي عصر الصَّحَابَة فَقَط
وَهَذَا قريب من اخْتِيَار ابْن الْخَطِيب فِي قَول الصَّحَابِيّ اذا لم ينتشر وَكَانَ فِيمَا تعم بِهِ الْبلوى انه حجَّة كَمَا سَيَأْتِي ان شَاءَ الله تَعَالَى
تَرْجِيح
وَالْمَقْصُود ان الطَّرِيقَة الثَّانِيَة وَهِي تَخْصِيص الْمَسْأَلَة بعصر الصَّحَابَة ﵃ اظهر من الطَّرِيقَة الاولى وَذَلِكَ لَان من قَالَ يكون حجَّة وَلَا يكون اجماعا انما يتَوَجَّه اذا فرض ذَلِك فِي حق الصَّحَابَة لَان منصبهم الشريف لَا يَقْتَضِي السُّكُوت عَن مثل ذَلِك مَعَ مخالفتهم فِيهِ لما عرف من عَادَتهم وَهَذَا لَا يجىء فِي حق غير الصَّحَابَة كَيفَ والتعلق هُنَا انما هُوَ بقول الْمُفْتِي اَوْ الْحَاكِم فَقَط لانه مَبْنِيّ على السَّاكِت لَا ينْسب اليه قَول كَمَا نقل عَن الامام الشَّافِعِي رَحْمَة الله عَلَيْهِ وَلَا حجَّة فِي قَول اُحْدُ من الْمُجْتَهدين بعد الصَّحَابَة بالِاتِّفَاقِ فاذا لم يكن ذَلِك اجماعا فَكيف يكون حجَّة بِخِلَاف مَا اذا كَانَ ذَلِك قَول صَحَابِيّ فان ذَلِك اذا لم يكن سكوتهم عَن مثله اجماعا فيصلح للاحتجاج بِهِ كَمَا سَيَأْتِي ان شَاءَ الله
ثمَّ ان الشَّافِعِي ﵀ احْتج فِي كتاب الرسَالَة لاثبات الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد وبالقياس بِأَن بعض الصَّحَابَة عمل بِهِ وَلم يظْهر من البَاقِينَ انكار لذَلِك فَكَانَ ذَلِك اجماعا هَذَا معنى كَلَامه فَيحْتَمل ان يُقَال لَهُ
1 / 23
فِي الْمَسْأَلَة قَوْلَيْنِ كَمَا حَكَاهُمَا ابْن الْحَاجِب وَيحْتَمل ان ينزل الْقَوْلَانِ على حَالين وَذَلِكَ باحد طَرِيقين
احدهما ان يكون حَيْثُ اثْبتْ القَوْل بانه اجماع اراد بذلك عصر الصَّحَابَة ﵃ كَمَا اسْتدلَّ بِهِ لخَبر الْوَاحِد وَالْقِيَاس وَحَيْثُ قَالَ لَا ينْسب الى سَاكِت قَول اراد بذلك من بعد الصَّحَابَة وَهَذَا اولى من ان يَجْعَل لَهُ قَولَانِ متناقضان فِي الْمَسْأَلَة من اصلها
وَالثَّانِي ان يحمل نَفْيه على مَا لم يتَكَرَّر من القضايا اَوْ لم تعم بِهِ الْبلوى وَيحمل القَوْل الاخر فِي الرسَالَة على مَا كَانَ كَذَلِك كَمَا اخْتَارَهُ امام الْحَرَمَيْنِ وَابْن الْخَطِيب لَان الْعَمَل بِخَبَر الْوَاحِد بِالْقِيَاسِ مِمَّا يتَكَرَّر وتعم بِهِ الْبلوى
وكل من هذَيْن الطَّرِيقَيْنِ مُحْتَمل
1 / 24
ادلة الاقوال الْمُتَقَدّمَة
الْكَلَام الان فِيمَا اسْتدلَّ بِهِ كل من قَالَ بقول مِمَّا تقدم
اولا احْتج الْقَائِلُونَ بانه لَيْسَ باجماع وَلَا حجَّة بَان سكُوت الساكتين لَا يدل على الْمُوَافقَة لَا صَرِيحًا وَلَا ظَاهرا
اما نفي الصراحة فَظَاهر
واما نفي دلَالَته ظَاهرا فلَان السُّكُوت يحْتَمل وُجُوهًا
احدها الْمُوَافقَة وَالرِّضَا بذلك
وَثَانِيها انه لم يجْتَهد فِي الْمَسْأَلَة
وَثَالِثهَا انه اجْتهد وَلم يظْهر لَهُ شَيْء
وَرَابِعهَا انه ظهر لَهُ مَا يَقْتَضِي خلاف ذَلِك القَوْل لكنه لم يُبْدِهِ اما لاعْتِقَاده ان كل مُجْتَهد مُصِيب واما لظَنّه ان غَيره كفى الْقيام بذلك واما لهيبة الْقَائِل كَمَا قَالَ ابْن عَبَّاس ﵄ فِي مَسْأَلَة نفي الْعَوْل وَقد قيل
1 / 25
لَهُ لم لَا رددت على عمر ﵁ فَقَالَ هِبته وَالله واما للخوف من ثوران فتْنَة كَمَا وَقع لكثير من الصَّحَابَة مَعَ بني امية واما انه راى ان الانكار لَا يجدي شَيْئا
وكل هَذِه الِاحْتِمَالَات منقدحة على السوَاء لَا تَرْجِيح لاحدها على الاخر فَلَا يكون السُّكُوت دَالا على الْمُوَافقَة بطرِيق الظُّهُور
واذا انْتَفَى ان يكون اجماعا فَلَا يكون حجَّة لَان هَذَا قَول بعض الامة والعصمة انما ثبتَتْ لجميعهم لَا حجية الا فِي المدارك الْمَعْرُوفَة من الْكتاب وَالسّنة والاجماع وَالْقِيَاس وَلَيْسَ هَذَا شَيْئا مِنْهَا
ثَانِيًا واجاب الْقَائِلُونَ بِكَوْنِهِ اجماعا عَن ذَلِك بَان احْتِمَال الرِّضَا والموافقة اظهر من بَقِيَّة الِاحْتِمَالَات لَان الله تَعَالَى وصف هَذِه الامة بانهم خير امة اخرجت للنَّاس يامرون بِالْمَعْرُوفِ وَينْهَوْنَ عَن الْمُنكر فَلَا يَصح من جَمِيعهم الاطباق على ترك انكار الْمُنكر لَان فرض الْمَسْأَلَة فِيمَا بلغ الحكم جَمِيع الْمُجْتَهدين
1 / 26
ثمَّ الْعَادة جَارِيَة فِي كل عصر بِأَن من كَانَ عِنْده خلاف فِي شَيْء من مسَائِل الِاجْتِهَاد أبداه وَلم يسكت وانهم كَانُوا إِذا نزلت بهم نازلة فزعوا فِيهَا إِلَى الآجتهاد وَطلب الحكم
فَهَذَا كُله مِمَّا يرجح احْتِمَال الْمُوَافقَة وَالرِّضَا وَبَقِيَّة الاحتم الات وَإِن كَانَت منقدحة عقلا خلاف الظَّاهِر من أَحْوَال أَرْبَاب الدّين واهل الْحل وَالْعقد
فَفِي ترك الِاجْتِهَاد إهمال حكم الله تَعَالَى فِيمَا وَجب عَلَيْهِم وَلَا يظنّ بهم ذَلِك لما فِيهِ من الْمعْصِيَة وألأصل براءتهم مِنْهَا
1 / 27
وَأما كَونه لم يظْهر لَهُم وَجه الحكم فَهُوَ بعيد ايضا بل مَرْجُوح لِأَن الظَّاهِر أَنه مَا من حكم إِلَّا وَللَّه عَلَيْهِ أَمَارَات وَدَلَائِل تدل عَلَيْهِ وَالظَّاهِر مِمَّن لَهُ أَهْلِيَّة الآجتهاد الآطلآع على ذَلِك وَيلْزم من تَجْوِيز ذَلِك على جَمِيعهم خلو الْعَصْر عَن قَائِم لله بِالْحجَّةِ لَا سِيمَا أهل الْأَعْصَار الأول قبل اسْتِقْرَار الْمذَاهب وَغَلَبَة المقلدين فَإِن ذَلِك فِي تِلْكَ الْأَعْصَار مِمَّا يقطع بِعَدَمِهِ
وَأما احْتِمَال ظَنّه أَن غَيره كفى الْكَلَام فِي ذَلِك فَهُوَ وَإِن كَانَ مجوزا فَلَا يَصح تطابق الْجَمِيع على ذَلِك وَالْعَادَة قاضية بِخِلَافِهِ وَلَا سِيمَا مَعَ قرب بَعضهم من بعض واطلاعهم على مَا يصدر عَنْهُم غَالِبا
وَأما اعْتِقَاد أَن كل مُجْتَهد مُصِيب فَلَيْسَ ذَلِك قولا لأحد من الصَّحَابَة وَإِنَّمَا ينقدح هَذَا فِيمَن بعدهمْ
وَكَذَلِكَ بَقِيَّة الإحتمالات من الهيبة وَالْخَوْف من ثوران فتْنَة والتقية وَظن أَن الْإِنْكَار لَا يجدي شَيْئا كل ذَلِك بعيد مَرْجُوح بِالنِّسْبَةِ إِلَى أَحْوَال الصَّحَابَة فقد أَنْكَرُوا الْكثير على الْأَئِمَّة وعَلى غَيرهم فِي مسَائِل الْجد وَالإِخْوَة والعول وَقَوله أَنْت عَليّ حرَام وَقَالَ عَليّ
1 / 28