الثَّالِثُةُ: أَنَّهَا حَيْثُ خُيِّرَتْ كَانَ خِيَارُهَا عَلَى التَّرَاخِيْ بِلَا خِلَافٍ. وَأَمَّا الخِلَافُ فِي أَنَّ جَوَابَهُنَّ هَلْ كَانَ مَشْرُوْطًا بِالْفَوْرِ أَمْ لَا؟ فَفِيْ غَيْرِهَا.
هَكَذَا قَالَهُ الْقَاضِيْ أَبُوالطَّيِّبِ الطِّبّرِيُّ فِي تَعَليّقِهِ (١) فَإِنَّهُ حَكَى الخِلَافَ وَصَحَّحَ الْفَوْريَّةَ ثُمَّ قَالَ: وَالْخِلَافُ فِي التَّخْيِيْرِ الْمُطْلَقِ. فَأَمَّا إِذَا قَالَ لَهَا: اخْتَارِيْ أَيَّ وَقْتٍ شِئْتِ" كَانَ عَلَى التَّرَاخِيْ بِالْإِجْمَاعِ.
قَالَ: وَعَائِشَةُ مِنْ هَذَاالْقَبِيْلِ لِقَوْلِهِ ﷺ: وَلَا عَلَيْكِ أَنْ لَا تَعْجَلِيْ حَتَّى تَسْتَأْمِرِيْ أَبَوَيْكِ. (٢)
وَهُوَتَقْيِيْدٌ مُرْتَبِطٌ بِهِ إِطْلَاقُ "الشَّرْحِ" وَ"الرَّوْضَةِ" وَلَمْ يَقِفِ ابْنُ الرِّفْعَةِ (٣) عَلَى هَذَا النَّقْلِ فَقَالَ فِي شَرْحِ الْوَسِيْطِ: وَفِي طَرْدِ ذَلِكَ فِي بَقِيَّةِ أَْزْوَاجِهِ ﷺ كُلِّهِنَّ نَظَرٌ مِنْ جِهَةِ أَنَّ الْمَهْلَ فِي التَّخْيِيْر إِنَّمَا قِيْلَ لعَائِشَةَ فَقَطْ. وَسَبَبُهُ- وَاللهُ أَعْلَمُ- أَنَّهَا كَانَتْ أَحَدثَ نِسَائِهِ سِنًّا وَأَحَبَّ نِسَائِهِ إِلَيْهِ فَكَانَ قَوْلهُ لَهَا: لَا تُبَادِرِيْنِيْ بِالْجَوَابِ" (٤) خَوْفًا مِنْ أَنْ تَبْتَدِرَهُ بِاخْتِيَارِ الدُّنْيَا. وَمَغَبَّتُهُ أَلَّا يَطَّرِدَ الْحُكْم فِي غَيْرِهَا لَاسِيِّمَا إِذَا نَظَرْنَا إِلَى مَا جَاءَ فِي الصَّحِيْحِ مِنْ تَخْصِيْصِ ذَلِكَ بِهَا كَانَ ذَلِكَ يَنْزِلُ مَنَزْلَةً مَا قَالَ الوَاحِدُ مِنَّا لِبَعْضِ نِسَائِهِ: اخْتَارِيْ مَتَى شِئْتِ" وَقَالَ لِأُخْرَى: اخْتَارِيْ " فَإِنَّ خِيَارَ الْأُوْلَى يَكُوْنُ عَلَى التَّرَاخِيْ وَالْأُخْرَى عَلَى الْفَوْرِ.
الرَّابِعُةُ: نُزُوْلُ آَيَةِ التَّيَمُّمِ (٥) بِسَبَبِ عِقَدْهَا حِيْنَ حَبَسَ رَسُوْلُ اللهِ ﷺ النَّاسَ وَقَالَ لَهَا أُسَيْدُ بْنُ الْحُضَيْرِ: مَا هِيَ بِأَوَّلِ بَرَكَتِكُمْ يَا آلَ أَبِيْ بَكْرٍ. (٦)
(١)
(٢) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، المصدر السابق
(٣) .
(٤) هَذَا مفهُوَم قَوْل النَّبِيّ صَلَّى الله ِعَلَيْهِ وَسلم: وَلَا عَلَيْك أَنْ لَا تَعْجَلِيْ حَتَّى تَسْتَأْمِرِيْ أَبَوَيْكِ" وقَدْ سَبَقَ تخريجه
(٥) . وآَيَة التَّيَمُّم فِي سُوْرَة الْمَائِدَة: يَا أَيُّهَا الَّذِيْنَ آمَنُواْ إِذَا قُمْتمْ إِلَى الصَّلَاة فاغْسِلُواْ وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُواْ بِرُؤُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَينِ وَإِن كُنتُمْ جُنُبًا فَاطَّهَّرُواْ وَإِن كُنتُم مَّرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَد مَّنكُم مِّنَ الْغَائِطِ أَوْ لاَمَسْتُمُ النِّسَاء فَلَمْ تَجِدُواْ مَاء فَتَيَمَّمُواْ صَعِيدًا طَيِّبًا فَامْسَحُواْ بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيكُم مِنْهُ [الْمَائِدَة: ٦] وَذَلِكَ خِلَاف بين المفسرين راجع: فتح الباري
(٦) . أَخْرَجَهُ الْبُخَارِيّ، الصَحِيْح، التَّيَمُّم، باب وقَوْل الله: فلم تجدوا ماء فَتَيَمَّمُوا:٣٣٤