973

وأما ياثنيا: فلأنه أورد الآية لبيان أن اختيار العبد معلق بمشيئة الله فلا يكون حينئذ اختيارا مستقلا بزعمه، بل غير مستقل؛ لكن هذا الكلام الذي زخرفه يقتضي أن المتعلق هو الإختيار الغير المستقل، كماصرح به في قوله، فلم يبق إلا الإختيار الغير المستقل المعلق، فقد تناقض الكلام عليه وسقط الإستدلال بالآية من يديه، وأيضا فهو لا يثبت من الإختيار إلا غير المستقل، وهو الذي فسره بتوهم الإختيار، وعلى هذا فالتعليق في هذه الآية ليس الإختيار الحقيقي، وإنما هو تعليق لتوهم الإختيار، مع أنه لايقول أحد من[520]المجبرة ولا من غيرهم بامتناع تقدم التوهم للإختيار، ولايقول أحد أيضا أن لتعليقه بمشيئة الله تعالى معنى صحيح أصلا، ولا يقول أحد أن الآية إذا كان بصدد تعليق الإختيار الموهوم كانت دليلا على ثبوته، بل يجب أن يكون ثبوته مستندا إلى غيرها، ويمتنع أن يثبت بدلاتها عليه، وإنما تكون دليلا على اختيار غير مستقل لا على الوجه الذي يزعمه المعترض، لوأنها جاءت لتعليق الإختيار الحقيقي المستقل، فقد يدعي أنها تكون دليلا على اختيار غير مستقل، ولايقول أحد من العقلاء المنصفين أن توهم الإختيار مع كونه توهما فاسدا يكون اختيارا غير مستقل كما زعمه المعترض.

وأما ثالثا: فلأنه قال فيما يأتي إن شاء الله تعالى على قول المؤلف قالوا لو كان الكافر يقدر على الإيمان ...إلخ، مانصه: وحاصله أن من علم الله منه الكفر لايصدر منه إلا ما علم منه تعالى بخلقه تعالى فيه عند اختياره إياه وتعلق قدرته وإرادته، فلا يكون قادرا على الإيمان قدرة كاسبة حقيقية في علم الله، وإن كان قادرا عليه قدرة كاسبة في وهم الكافر، فإن المكلف يتوهم أنه قادر على فعل الشيء بدل صده وفعل صده بدله هذا كلامه، هذا لك وفيه تصريح بأن توهم العبد سابق على الإقدام في فعل المأمور به والمنهي عنه، وأن توهم العبد للإختيار كائن فيما لم يشاء الله وقوعه كالإيمان من الكافر المذكور، وهو خلاف كلامه هذا كما لايخفا.

وأما رابعا: فلأن مقتضى هذا الكلام من المعترض نفي اختيار العبد رأسا كما عرفت؛ لكن هذه الآية التي استدل بها دالة على أن للعباد اختيارا، وإلا فأي معنى لتعليق مشيئتهم بمشيئة الله تعالى، فإن المعدوم في نفسه غير أهل إن تعلق ثبوته بثبوت غيره، إذ هو معدوم على تقدير ثبوت المعلق عليه وعلى عدمه.

Page 1101