835

قلنا: على فرض تسليمه تكون هذه الآية التي حكاها الله تعالى عن إبراهيم عليه الصلاة والسلام قاضية بتقوية اعتقادهم في الأصنام؛ لأنهم يعلمون حينئذ أن أشكالها حصلت فيها بتأثير الله وخلقه، فتكون حينئذ الأشكال التي في بني آدم حاصلة بفعلهم وتأثيرهم، بل بقعل الله وتأثيره تعالى، {ولئن سألتهم من خلقهم ليقولن الله} ولقد كان فحول الأشاعرة بين تقديم رجل وتأخير أخرى في تقويرم اعوجاج الإحتجاج بهذه الآية، متحيرين في ترتيب نظم الآية وصحة معناها على ما يطابق .........[440]تجاسروا على مثل هذه الدعوى التي أقدم عليها المعترض فأراح نفسه من حيث تعب القوم، ودخل من حيث حالوا الخروج، إذا لم تستحي فاصنع ما شئت، ويحتمل أنه أراد فساد قياسهم وكذب مقدمتهم، إنما كان لما ثبت على قاعدة الجبر من أن الله خالق الأعمال كالعمال فلا يصح أن يعتقد استحقاق الأصنام للعبادة لتميزها بالأشكال وصيرورتها أهلا للنفع والضر قياسا على العباد؛ لأن الأشكال التي في الأصنام خلق الله تعالى، والعباد أيضا غير متمكنين من أفعالهم؛ لأن الله تعالى هو الخالق لها، فبطل القياس، هذا مايحتمله كلامه وهو ظاهر البطلان، وسيأتي في كلامه ما يشعر بأن المشركين يعقلون معنى كسب الأشعري، ويفهمون من الآية الكريمة أن عين عملهم الذي باشروه والنحت الذي تولوه وأثروه وهو عينما أوجده الله وخلقه وأثر فيه من دون تأثير لهم في شيء منه، وفي هذا الاحتمال فساد آخر وهو أنه يفهم منه أن الأصنام لو تميزت بالأشكال عن غير تأثير العباد لم تكن المقدمة وهمية كاذبة، ولا كان القياس فاسدا وبطلانه أوضح من الواضح،كيف وتقبيح ضلالهم في الآية الكريمة إنما جاء من هذه الحيثية، أي كيف يجعلون معبودكم ما تؤثرون فيه وتصورونه، فلوا ضفت التأثير في التصوير إلى الله لسقط التقبيح والتشنيع عليهم من هذه الحيثية، وخرجنا إلى كلام مغسول عن الاحتجاج، بل خارج عن المنهاج، كما أشار إليه جار الله رحمه الله تعالى، وشيء آخر وهو أن في نوط الذم بالعبادة غاية الخضوع والتذلل، ومنه ثوب ذو عبدة إذا كان في غاية الصفاقة وقوة النسج، ولذلك لم يستعمل إلا في الخضوع لله تعالى؛ لأنه مولى أعظم النعم، فكان حقيقا بأقصى غاية الخضوع، ذكره العلامه رحمه الله تعالى في الشكاف، وغذا عرفت هذا فمعنى هذه الآية كيف تخضعون غاية الخضوع وتذللون نهاية التذلل لمن كنتم بالأمس تنحتونه وتأخذون من أجزائه ما شئتم .......قطعا لتسويته على الوجه الذي تريدونه بلا خضوع له، ولا ذلة ولا خوف منه، لا استحيا فماعدا مما بدا، وما بال معبودكم بالأمس محلا للقطع والضرب بالآلات واليوم صار محلا للخوف والخضوع واستحقاق العبادات؟ فتأمل هذا فإن مرجعه في التحقيق إلى قولهم أن نوط الحكم بالمشتق يقتضى عليه المأخذ وهو اللائق هنا بالبلاغة القرآنية، وقد غفل عنه أمثال المعترض، واشتغلوا بالأشكال مع أنها ليست أعمالا لعباد الأصنام، إلاعلى مذهب العدلية كما عرفت.

Page 940