439

وقالوا: أن أول الواجبات هو النظر، ومنهم من قال: هو القصد، وقد استدل الاسفرايني والرازي وغيرهما على أن العلم والمعرفة مما لا تتعلق به القدرة الحادثة، وأنه واقع بقدرة الله تعالى اضطرارا ووجوبا بأن قالوا: لو كان واقعا بقدرة العبد وإرادته لأمكنه تركه أي بعد النظر الصحيح، وليس كذلك فدل على أنه مضطر إليه، وهذا هو مذهب الجاحظ، وأهل المعارف من المعتزلة فهم قائلون بأن أول الواجبات هو النظر والقصد إليه -أي الإرادة-، وهو ظاهر مذهب الجاحظ، فلا يرد عليه ما يورده أصحابنا من المعتزلة حيث يقولون: أنه يلزمه القول: بأن الله تعالى لم يكلفنا بمعرفته والعلم به

نعم يتجه على الأشعري ما أورده الأستاذ الإسفرايني، والرازي من عدم تمكن العبد من تركه، ولا يمكنه أن يقول بما قاله أصحابنا القائلون: بأنه فعل للعبد متولد عن النظر الموجب له كما سيجيء إن شاء الله، ولا يقدر يدعي أن العبد متمكن من تركه، وحينئذ لا يبقى له فرق بين ما تعلق به الكسب وغيره وهو مما يقضي التجهم والجبر الخالص مع أن ابن السبكي حكى الخلاف بينهم في العلم في جمع الجوامع، ولم يصح عن دفع شيء من هذا المحذور اللازم للأشعري وأصحابنا.

فإن قلت: وما للأشعري وللقول بأن العلم مما يتعلق به الكسب مع هذا اللازم الذي لا يخفى على مثله؟

Page 488