1388

وأما صفات المعاني فلم يقل أحد من الأولين والآخرين أنها لا عينه ولا غيره إلا الأشعري ومن تبعه فمن أين للمعترض تطبيق معنى الحديث على مذهبه بمجرد الدعوى ولو تفطن لوجد ما استدل به قائما عليه ومبطلا لما جنح إليه، وقد اعترف فيما أسلف أن العقل قاض بخلاف ما يقضي به هذا النقل والاسترواح منه إلى المفهوم الذي فهمه هو من أمثال هذا الحديث قدح فلا العقل بالنقل وهو غير مسموع كما مر، فما ظنك والنقل على ما توهمه غير واقع فالرجل قد أخذه الهيام في السراب، وما أعجب إلا من ادعائه كون هذه الرواية نصا صريحا لقد طال في الخداع رشاؤه وبعد في النزاع شأوه حتى قطع بقلة إنصافه عروة المناظرة حتى صارت مخادعة ولم تزل قلة الإنصاف قاطعة والذي ............. عليه وحي إيهامه أن النفي في هذا الحديث وارد على القيد كما مر أعني لفظ غيره في قوله عليه الصلاة والسلام: ((ولم يكن شيء غيره)) ومن ذا الذي يقول غيره إن صرف الشيء إلى القيد بمجرد الزعم يصير الكلام نصا ومرجعه أن موضوع السالبة لا بد أن [727] يكون موجودا حتى يصح له أن الصفات موجودة لا توصف بالمغايرة نظرا إلى هذا الحديث وهذا مما لم يقل به أحد من المناطقة ولا من غيرهم كيف وقد علمت أن توجه النفي إلى القيد كالغير فيما نحن فيه لا يتم إلا بعد ثبوت موجد لا يوصف بمغيرته تعالى لكنه لا يثبت موجود لا يوصف بالمغايرة إلا بهذا الحديث ونحوه فهو مصادرة وقد مر أيضا.

فإن قلت: فما فائدة القيد في هذا الحديث فإنه عليه الصلاة والسلام ينبوع البلاغة المتناهية فكلامه مصون عن الحشو واللاغية.

قلت: كونه قيدا ممنوع بل هو لبيان مغايرته تعالى لكل موجود وأن كل شيء ليس إياه تعالى فهو غيره ولئن سلم كونه قيدا فله فائدتان:

أحدهما ما مرت الإشارة إليه من أنه لكمال النفي لموجود ليس واجب الوجود تعالى لما في ذلك من كمال التوحيد فإن من أثبت في الأزل أشياء متعددة واجبة الوجود فما وحده لا عقلا ولا لغة ولا شرعا وكذا من قال بإمكانها وصرح بأن الموجود في الأزل أشياء متعددة معتمدا على الأوهام المجردة إلا أنه زاد شناعة افتقار الواجب إلى الممكن كما مر.

Page 1528