Al-Iḥtirās ʿan nār al-nibrās al-mujallad al-awwal
الاحتراس عن نار النبراس المجلد الأول
وبالجملة فهي منادية بأعلى صوت على أنها موضوعة وإلى سلسلة الأباطيل مرفوعة وقد استغربت إيراد مثل سعد الدين لها في شرح العقائد مع اطلاعه على أكثر مذاهب المعتزلة ولولا خشية الإطالة لأوضحت ما فيها من الجهالة لكني أشير إلى شيء من ذلك فرارا عن التهمة فالدعوى العاطلة والأماني الباطلة فنقول: إن واضع هذه القضية ظن أن أبا علي رحمه الله تعالى يقول بوجوب الأصلح على الله تعالى كما دل على ذلك ما ذكره سعد الدين في شرح المقاصد وما ذكره الصفدي الشاعر المتأخر في شرح لامية العجم ما ذكره غير هؤلاء فافهم، جعلوا أبا علي قائلا بأنه يجب على الله تعالى ما هو الأصلح وجهلوا أن هذا المذهب مما ينكره أبو علي وغيره من البصرية فلهذا يقولون بأن التكليف تفضل محض فيجوز التفضل به على البعض دون البعض وعلى من يعلم منه الإيمان وعلى من يعلم منه الكفر ووجوب الأصلح على أن الله تعالى إنما هو مذهب أبي القاسم الكعبي وسائر أصحابه البغدادية والذي يقول به أبو علي وسائر صحابه البصرية هو أن وجوب الصلاح في باب الدين وأين هذا من وجوب الأصلح في باب الدين والدنيا كما هو مذهب أبي القاسم وسائر البغدادية إلا من منع منهم وجوب الألطاف كبشر بن المعتمر وأتباعه، ثم إن واضع هذه القصة الكاذبة وقع مع هذه الجهالة الظاهرة في جهالة أخرى وهي أنه لم يعلم أن البغدادية الذين يوجبون الأصلح ما قالوا بوجوبه على الإطلاق بل قالوا إنه يشترك في كل مصلحة خلوها عن كل مفسدة سواء كانت تلك المفسدة في تلك المصلحة وفي متعلقها أو في متعلق آخر كفساد مكلف عند صلاح آخر بل يكون ذلك خارجا عن الأصلح في التحقيق وعلى هذا فهم يقولون إن الله تعالى كلف المؤمن لأنه علم أنه يؤمن ويصل إلى الثواب مع عدم المفسدة في تكليفه وبلوغه النظر إليه وبالنظر إلى غيره، وأما الطفل المتوفى فعلم تعالى أنه لو بلغ وكلفه لكان في ذلك مفسدة له أو لغيره وحينئذ لا يكون تكليفه من قبيل الصلح الذي يوجبونه على الله تعالى بل من قبيل الفساد الممتنع في الحكمة، وأما البالغ الذي كفر فإن تكليفه كان تعريضا للجبر المحض ولم يكن في تكليفه مفسدة له ولا لغيره بل كان في تكليفه مصلحة واعتبار لبعض المكلفين والملتطفين الذي يدعونه إلى الطاعة والإيمان ويجاهدونه فظهر أن لكل واحد من الثلاثة الآخرة الذين ذكروهم شأنا ليس لغيره أنه تعالى وأنه تعالى لا يفعل إلا ما سبق به علمه من الحكم والمصالح لا خبطا وجزافا وافتراء وانجرافا، وجهل مذهب المعتزلة لإورد شيئا سفسافا، وفضحته هذه القصة بالوضع إقرارا واعترافا، ولمثل هذا قال الذهبي: إن الكذابين قد كتبوا ......... الاختيار لما جاءوا به لما يظهر في كلامهم من المناقضة والشهادة على وضعهم.
واعلم [685] أن بعضا من الناس قد ظن أن قول أبي الهذيل: حمار بشر أعقل من بشر. بصدد الأشعري وذكره باسم أبيه أو جده تحقيرا لشأنه وازدراء له وهذا وهم باطل لما بين عصريهما من التفاوت كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى حيث بينا أنه لاح من كلام المعترض كونه على هذا الوهم.
قوله: فيما نقله عن الدواني وأنت تعلم ...إلخ لا يفيد في وقع الشناعة إلا ما يثبت كالخشبة المسندة والجهمي والأشعري في هذا المعنى شر مكان ولم يتميز الأشعري عن الجهمي إلا بالألفاظ التي ليس وراءها شيء من التحصيل كما مر وتكرر.
Page 1441