فَصْلٌ
ثُمَّ اسْتَدَلَّ الْمُسْتَنصر (١) بِالْقِيَاسِ، فَقَالَ: وإِن صَحَّ أَن السَّلَف لَمْ يَعْمَلُوا بِهِ؛ فَقَدَ عَمِلَ السَّلَفُ بِمَا لَمْ يَعْمَلْ بِهِ مَنْ قَبْلَهُمْ مِمَّا (٢) هُوَ خَيْرٌ. ثُمَّ قَالَ بَعْدُ: قَدْ قَالَ عُمَرُ بْنُ عَبْدِ الْعَزِيزِ ﵁: "تَحْدُثُ لِلنَّاسِ أَقضية بِقَدْرِ مَا أَحدثوا مِنَ الْفُجُورِ" (٣)، فَكَذَلِكَ تَحْدُثُ لَهُمْ مُرَغِّبات فِي (٤) الْخَيْرِ بِقَدْرِ مَا أَحدثوا مِنَ الفُتُور.
وَهَذَا الِاسْتِدْلَالُ غيرُ جارٍ عَلَى الأُصول: أَمّا أَوّلًا: فإِنه فِي مُقَابَلَةِ النَّصِّ، وَهُوَ مَا أَشار إِليه مَالِكٌ فِي مسأَلة "العتبيَّة" (٥)، فَذَلِكَ من باب فساد الاعتبار.
(١) في (ر) و(غ): "المنتصر".
(٢) في (خ): "بما".
(٣) لم أجده مسندًا، وإنما ذكره ابن أبي زيد القيرواني في "الرسالة" (ص٢٤٥) في "باب في الأقضية والشهادات" تعليقًا. وقال ابن فرحون المالكي في "تبصرة الحكام" في المسألة (٢١٧): "مسألة: قال ابن وضاح: قلت لسحنون: إن ابن عجلان قال لي: إنه يُحَلِّف اليهوديَّ يوم السبت، والنصرانيَّ يوم الأحد، وقال: إني رأيتهم يرهبون ذلك. فقال لي سحنون: ومن أين أخذه ابن عجلان؟ قال: قلت: من قول مالك: يُحَلّفون حيث يعظِّمون، فسكت. قال ابن وضاح: فكأنه أعجبه. وقلت له أيضًا: إن ابن عاصم عندنا يحلِّف الناس بالطلاق، يغلِّظ عليهم. فقال لي: ومن أين أخذ ذلك؟ قلت له: من الأثر المروي من قول عمر بن عبد العزيز: تحدث للناس أقضية بقدر ما أحدثوا من الفجور. فقال لي: مثل ابن عاصم يتأوّل هذا! قاله ابن الهندي في وثائقه. وابن عاصم هذا: حسين بن عاصم، روى عن ابن القاسم وأشهب، ودخل الأندلس، وكان محتسبًا بها في السوق".اهـ.
ويرد هذا القول كثيرًا في كتب المالكية، وقد ذكره الحافظ ابن حجر في "الفتح" (١٣/ ١٤٤) نقلًا عن محمد بن عبد الله بن عبد الحكم، ونسبه لمالك، وكذا الزرقاني في "شرح الموطأ" (٤/ ٤٤).
(٤) في (غ) و(ر): "من" بدل "في".
(٥) المتقدمة (ص٢٨٢ - ٢٨٣).