605

Al-Iʿtiṣām li-l-Shāṭibī muwāfiq li-l-maṭbūʿ

الاعتصام للشاطبى موافق للمطبوع

Publisher

دار ابن الجوزي للنشر والتوزيع

Edition

الأولى

Publication Year

١٤٢٩ هـ - ٢٠٠٨ م

Publisher Location

المملكة العربية السعودية

وَالتَّطْرِيبُ: مَدُّ الصَّوْتِ وَتَحْسِينُهُ.
وَبَيَانُهُ: أَن الشِّعْرَ الْمُغَنَّى بِهِ قَدِ اشْتَمَلَ عَلَى أَمرين:
أَحدهما: مَا فِيهِ مِنَ (١) الْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ، وَهَذَا مُخْتَصٌّ بِالْقُلُوبِ، فَفِيهَا تَعْمَلُ وَبِهَا تَنْفَعِلُ، وَمِنْ هَذِهِ الْجِهَةِ يُنْسَبُ السَّمَاعُ إِلى الأَرواح.
وَالثَّانِي: مَا فِيهِ مِنَ النَّغَمات المُرَتَّبة عَلَى النِّسَب التَّلْحِينِيَّةِ، وَهُوَ الْمُؤَثِّرُ فِي الطِّبَاعِ (٢) فيُهيِّجها (٣) إِلى مَا يُنَاسِبُهَا، وَهِيَ الْحَرَكَاتُ عَلَى اخْتِلَافِهَا، فَكُلُّ تأَثر في القلب من جهة السماع يحصُلُ (٤) عنه آثار السكون وَالْخُضُوعِ فَهُوَ رِقَّة، وَهُوَ التَّوَاجُدُ الَّذِي أَشار إِليه كَلَامُ المُجِيبِ، وَلَا شَكَّ أَنه مَحْمُودٌ. وَكُلُّ تأَثُّر يَحْصُلُ عَنْهُ ضِدّ السُّكُون؛ فَهُوَ طَرَبٌ لَا رِقَّة فِيهِ (٥) وَلَا تَوَاجُدَ، وَلَا هُوَ عِنْدَ شُيُوخِ الصُّوفِيَّةِ مَحْمُودٌ، لَكِنَّ هؤلاءِ الفقراءِ لَيْسَ لَهُمْ مِنَ التَّوَاجُدِ - فِي الْغَالِبِ - إِلا الثَّانِي الْمَذْمُومَ. فَهُمْ إِذًا مُتَوَاجِدُونَ بِالنَّغَمِ وَاللُّحُونِ، لَا يُدْرِكُونَ مِنْ مَعَانِي الْحِكْمَةِ شَيْئًا (٦)، فَقَدْ بَاؤُوا (٧) إِذًا بأَخسر الصَّفْقَتَيْنِ، نَعُوذُ بِاللَّهِ.
وإِنما جاءَهم الْغَلَطُ مِنْ جِهَةِ اخْتِلَاطِ المناطَيْن عَلَيْهِمْ، وَمِنْ جِهَةِ أَنهم استدلُّوا بِغَيْرِ دَلِيلٍ. فقوله تعالى: ﴿فَفِرُّوا إِلَى اللَّهِ﴾ (٨)، وَقَوْلُهُ: ﴿لَوِ اطَّلَعْتَ عَلَيْهِمْ لَوَلَّيْتَ مِنْهُمْ فِرَارًا﴾ (٩): لا دليل فيه على هذا الْمَعْنَى. وَكَذَلِكَ (١٠) قَوْلُهُ تَعَالَى: ﴿إِذْ قَامُوا فَقَالُوا رَبُّنَا﴾ (١١): كذا (١٢) أَيْنَ فيه أَنهم قاموا

=الأول: "وأراني طربًا في إثرهم"، والواله: الثاكل (وكان في نسختنا: الوالد). والمختبل - بفتح الباء ـ: من اختبل عقله؛ أي: جُنّ، (وكان في نسختنا: المتخيل). اهـ.
(١) قوله: "من" ليس في (م).
(٢) في (خ): "الطبائع".
(٣) في (ر) و(غ): "فتهيجها".
(٤) في (خ): "تحصل".
(٥) قوله: "فيه" من (خ) فقط.
(٦) في (ر) و(غ): "شحة".
(٧) في (م): "بانوا"، وفي (ر): "باءو".
(٨) سورة الذاريات: الآية (٥٠).
(٩) سورة الكهف: الآية (١٨).
(١٠) في (غ): "وكذا".
(١١) الآية: (١٤) من سورة الكهف. وقوله: "ربنا" من (خ) فقط.
(١٢) قوله: "كذا" ليس في (خ).

2 / 133