وَمِنْهُمْ مَنْ فَرَّ بِنَفْسِهِ وَلَمْ يَقْدِرْ عَلَى اسْتِخْلَاصِ شَيْءٍ مِنْ مَالِهِ، فَقَدِمَ الْمَدِينَةَ صِفْرَ الْيَدَيْنِ.
وَكَانَ الْغَالِبُ عَلَى أَهْلِ الْمَدِينَةِ الْعَمَلَ فِي حَوَائِطِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ بِأَنْفُسِهِمْ، فَلَمْ يَكُنْ لِغَيْرِهِمْ معهم كبير فضل في العمل.
فكان (١) مِنَ الْمُهَاجِرِينَ مَنْ أَشْرَكَهُمُ الْأَنْصَارُ فِي أَمْوَالِهِمْ، وَهُمُ الْأَكْثَرُونَ، بِدَلِيلِ قِصَّةِ بَنِي (٢) النَّضِيرِ، فَإِنَّ ابْنِ عَبَّاسٍ ﵄ قَالَ: (لَمَّا افْتَتَحَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بَنِيَ النَّضِيرِ قَالَ لِلْأَنْصَارِ: "إِنْ شِئْتُمْ قَسَّمْتُهَا بَيْنَ الْمُهَاجِرِينَ، وَتَرَكْتُمْ نَصِيبَكُمْ فِيهَا (٣)، وَخَلَّى الْمُهَاجِرُونَ (٤) بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ دُورِكُمْ وَأَمْوَالِكُمْ، فَإِنَّهُمْ عِيَالٌ عَلَيْكُمْ"، فَقَالُوا: نَعَمْ، فَفَعَلَ ذَلِكَ نَبِيُّ اللَّهِ ﷺ، غَيْرَ أَنَّهُ أَعْطَى أَبَا دُجَانَةَ وَسَهْلَ بْنَ حُنَيْفٍ، وَذَكَرَ أَنَّهُمْ (٥) فَقُرَاءُ) (٦).
وَقَدْ قَالَ الْمُهَاجِرُونَ أَيْضًا لِرَسُولِ اللَّهِ ﷺ: (يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا رَأَيْنَا قَوْمًا أَبْذَلَ مِنْ كَثِيرٍ، وَلَا أَحْسَنَ مُوَاسَاةً مِنْ قَلِيلٍ، مِنْ قَوْمٍ نَزَلْنَا بَيْنَ أَظْهُرِهِمْ - يَعْنِي الْأَنْصَارَ - لَقَدْ كَفَوْنَا الْمُؤْنَةَ، وَأَشْرَكُونَا فِي الْمَهْنَأِ، حَتَّى لَقَدْ خِفْنَا أَنْ يَذْهَبُوا بِالْأَجْرِ كُلِّهِ)، فَقَالَ النَّبِيُّ ﷺ: "لَا (٧)، مَا دَعَوْتُمُ اللَّهَ لَهُمْ، وَأَثْنَيْتُمْ عليهم" (٨).
(١) في (خ) و(ط): "وكان".
(٢) في (م): "أبي".
(٣) في (غ): "منها".
(٤) في (غ): "المهاجرين".
(٥) ساقطة من (م) و(ت) و(غ) و(ر).
(٦) رواه الإمام أبو داود في كتاب الخراج والإمارة والفيء، باب في خبر النضير عن عبد الرحمن بن كعب بن مالك عن رجل مِنْ أَصْحَابِ النَّبِيِّ ﷺ مع اختلاف في اللفظ.
انظر: السنن برقم (٣٠٠٤)، (٣/ ١٥٥ - ١٥٦)، ورواه الإمام ابن جرير في تفسيره (٢٨/ ٤١)، وصحح الشيخ الألباني إسناده كما في صحيح سنن أبي داود (٢/ ٥٨٢).
(٧) في (ر): "إلا".
(٨) رواه الإمام الترمذي في كتاب صفة القيامة من سننه عن أنس ﵁ برقم (٢٤٨٧)، وقال: هذا حديث صحيح حسن غريب من هذا الوجه (٤/ ٥٦٥ - ٥٦٦) والإمام البخاري في الأدب المفرد، باب من لم يجد المكافأة فليدع له (ص٨٧) برقم (٢١٧)، والبيهقي في شعب الإيمان (٦/ ٥١٤)، والإمام الحاكم في المستدرك وقال: صحيح على شرط مسلم، ووافقه الذهبي (٢/ ٦٣).