Iʿtiqād aʾimmat al-ḥadīth

اعتقاد أئمة الحديث

Editor

محمد بن عبد الرحمن الخميس

Publisher

دار العاصمة

Edition

الأولى

Publication Year

١٤١٢هـ

Publisher Location

الرياض

اعتقاد أئمة الحديث - أبو بكر الإسماعيلي
قال ابن قدامة أخبرنا الشريف أبو العباس مسعود بن عبد الواحد بن مطر الهاشمي، قال أنبأ أبو الحسن على بن محمد الجرجاني، أنبأ أبو القاسم حمزة بن يوسف السهمي، أنبأ أبو بكر أحمد بن إبراهيم الإسماعيلي (١) قال:

(١) قال الحاكم عن الإمام الإسماعيلي: (كان الإسماعيلي واحد عصره وشيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم في الرئاسة والمروءة والسخاء) (سير أعلام النبلاء ١٦ / ٢٩٤) . وقال عنه السمعاني: (إمام أهل جرجان والمرجوع إليه في الحديث والفقه. . وهو أشهر من أن يذكر) (الأنساب ١ / ١٣٩) . وقال عنه الذهبي: (الإمام الحافظ الفقيه شيخ الإسلام) (سير أعلام النبلاء ١٦ / ٢٩٢) وقال في موضع آخر: (الإمام الحافظ الثبت شيخ الإسلام) (تذكرة الحفاظ ٣ / ٩٤٧) . وقال عنه الصفدي: (الإمام. . الفقيه الشافعي الحافظ) (الوافي بالوفيات ٦ / ٢١٣) . وقال عنه الأناباكي: (الحافظ. . كان إماما طاف البلاد ولقي الشيوخ) (النجوم الزاهرة ٤ / ١٤٠) . وقال عنه ابن كثير: (الحافظ الكبير الرحال الجوال سمع الكثير وحدث وخرج وصنف فأفاد وأجاد وأحسن الانتقاد والاعتقاد) (البداية والنهاية ١١ / ٣١٧) . وقال عنه ابن عبد الهادي: (الإمام الحافظ الكبير أحد الأئمة الأعلام. . كبير الشافعية بناحيته) (طبقات علماء الحديث ٣ / ١٤٠) . وقال عنه ابن ناصر الدين: (الإمام. . أحد الحفاظ الأعيان كان شيخ المحدثين والفقهاء وأجلهم في المروءة والسخاء) (شذرات الذهب ٣ / ٧٢) .

1 / 48

[أصول الاعتقاد عند أهل الحديث]
اعلموا رحمنا الله وإياكم أن مذهب أهل الحديث أهل السنة والجماعة الإقرار بالله وملائكته وكتبه ورسله، وقبول ما نطق به كتاب الله تعالى، وصحت به الرواية عن رسول الله ﷺ، لا معدل عن ما ورد به ولا سبيل إلى رده، إذ كانوا مأمورين باتباع الكتاب والسنة، مضمونا لهم الهدى فيهما، مشهودا لهم بأن نبيهم ﷺ يهدي إلى صراط مستقيم، محذرين في مخالفته الفتنة والعذاب الأليم.
[القول في الأسماء والصفات]
ويعتقدون أن الله تعالى مدعو بأسمائه الحسنى وموصوف

1 / 49

بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه ووصفه بها نبيه ﷺ، خلق آدم بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف يشاء، بلا اعتقاد كيف، وأنه ﷿ استوى على العرش، بلا كيف، فإن الله تعالى انتهى من ذلك إلى أنه استوى على العرش ولم يذكر كيف كان استواؤه.
[ذكر بعض خصائص الربوبية]
وأنه مالك خلقه وأنشأهم لا عن حاجة إلى ما خلق ولا معنى دعاه إلى أن خلقهم، لكنه فعال لما يشاء

1 / 50

ويحكم ما يريد، لا يسأل عما يفعل، والخلق مسؤولون عما يفعلون.
[إثبات أسماء الله الحسنى وصفاته العلا]
وأنه مدعو بأسمائه، موصوف بصفاته التي سمى ووصف بها نفسه، وسماه ووصفه بها نبيه ﵊، لا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء، ولا يوصف بنقص أو عيب أو آفة، فإنه ﷿ تعالى عن ذلك.
[إثبات صفة اليدين]
وخلق آدم ﵇ بيده، ويداه مبسوطتان ينفق كيف شاء، بلا اعتقاد كيف يداه، إذ لم ينطق كتاب الله تعالى فيه بكيف.
ولا يعتقد فيه الأعضاء، (١) والجوارح، ولا الطول والعرض، والغلظ، والدقة، ونحو هذا مما يكون

(١) هذه الكلمات ليست من الألفاظ المعروفة عند أهل السنة والجماعة من سلف هذه الأمة، بل هي من الكلمات المبتدعة المخترعة، والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية هو سبيل أهل السنة والجماعة، فلا ينبغي لطالب الحق الالتفات إلى مثل هذه الألفاظ والتعويل عليها، وما كان أغنى الإمام المصنف ﵀ عن مثل هذه الكلمات فإن الله سبحانه موصوف بصفات الكمال منعوت بنعوت الجلال، وعلى كل حال فالباطل مردود على قائله كائنا من كان، والقاعدة السلفية في مثل هذه الكلمات أنه لا يجوز نفيها ولا إثباتها إلا بعد التفصيل وتبيين مراد قائلها، وكان على المؤلف أن يجمل في النفي غير أنه أراد بهذا النفي أن يسد الطريق على المعطلة لئلا يكون لهم مدخل في رمي أهل الحديث بالتشبيه، لكنه لو امسك ﵀ عن مثل هذه العبارات لكان أجدى.

1 / 51

مثله في الخلق، وأنه ليس كمثله شيء تبارك وجه ربنا ذو الجلال والإكرام.
ولا يقولون إن أسماء الله ﷿ كما تقوله المعتزلة (١)

(١) المعتزلة: فرقة كلامية ظهرت في أول القرن الثاني الهجري، وبلغت شانها في العصر العباسي الأول، يرجع اسمها إلى اعتزال إمامها واصل بن عطاء مجلس الحسن البصري لقول واصل بان مرتكب الكبيرة ليس كافرا ولا مؤمنا بل هو في منزلة بين المنزلتين، ولما اعتزل واصل مجلس الحسن وجلس عمرو بن عبيد إلى واصل وتبعهما أنصارهما قيل لهم معتزلة، وهذه الفرقة تعتد بالعقل وتغلو فيه وتقدمه على النقل.

1 / 52

والخوارج (١) وطوائف من أهل الأهواء

(١) الخوارج: جمع خارجة، أي فرقة خارجة، واشتهر بهذا اللقب جماعة خرجوا على علي ﵁ ممن كان معه في حرب صفين، وقد افترق الخوارج إلى عدة فرق يجمعهم القول بتكفير عثمان وعلي وأصحاب الجمل ومن رضي بالتحكيم وصوب الحكمين أو أحدهما، وتكفير صاحب الكبيرة، انظر الملل والنحل ١ / ١١٤ والفرق بين الفرق ٧٢ / ٧٣ ومقالات الإسلاميين ١ / ١٦٧ ومجموع الفتاوى ٣ / ٢٧٩.

1 / 53

مخلوقة. (١) .

(١) هذه من حماقات الجهمية والمعتزلة ومن تابعهم، وهي مبنية على قولهم بخلق القرآن، قال الدارمي في الرد على المريسي: (وقد كان للمريسي في أسماء الله مذهب كمذهبه في القرآن، كان القرآن عنده مخلوقا من قول البشر لم يتكلم الله بحرف منه في دعواه، وكذلك أسماء الله عنده من ابتداع البشر) إلى أن قال: (فهذا الذي ادّعوا في أسماء الله أصل كبير من أصول الجهمية التي بنوا عليها محنتهم وأسسوا عليها ضلالاتهم، غالطوا بها الأغمار والسفهاء) وشبهتهم: (أنهم لو أثبتوا لله تسعة وتسعين اسما لأثبتوا تسعة وتسعين إلها) انظر شرح أصول الاعتقاد ٢ / ٢١٥، وقد كفرهم جماعة من السلف، يقول إسحاق بن راهويه: (أفضوا -الجهمية- إلى أن قالوا أسماء الله مخلوقة. . وهذا الكفر المحض)، وقال الإمام أحمد بن حنبل: (من زعم أن أسماء الله مخلوقة فهو كافر) شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة ٢ / ٢١٤. وقال خلف بن هشام المقري: (من قال إن أسماء الله مخلوقة فكفره عندي أوضح من هذه الشمس) شرح أصول اعتقاد أهل السنة ٢ / ٢٠٧.

1 / 54

[قولهم في صفة الوجه والسمع والبصر والعلم والقدرة والكلام]
ويثبتون أن له وجها، وسمعا، وبصرا، وعلما، وقدرة، وقوة، وكلاما، لا على ما يقوله أهل الزيغ من المعتزلة وغيرهم، ولكن كما قال تعالى: ﴿وَيَبْقَى وَجْهُ رَبِّكَ﴾ [الرحمن: ٢٧] وقال: ﴿أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾ [النساء: ١٦٦] وقال: ﴿وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إِلَّا بِمَا شَاءَ﴾ [البقرة: ٢٥٥]

1 / 55

وقال: ﴿فَلِلَّهِ الْعِزَّةُ جَمِيعًا﴾ [فاطر: ١٠] وقال: ﴿وَالسَّمَاءَ بَنَيْنَاهَا بِأَيْدٍ﴾ [الذاريات: ٤٧] وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً﴾ [فصلت: ١٥] وقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ هُوَ الرَّزَّاقُ ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ﴾ [الذاريات: ٥٨]
فهو تعالى ذو العلم، والقوة، والقدرة، والسمع، والبصر، والكلام، كما قال تعالى: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَى عَيْنِي﴾ [طه: ٣٩] ﴿وَاصْنَعِ الْفُلْكَ بِأَعْيُنِنَا وَوَحْيِنَا﴾ [هود: ٣٧] وقال: ﴿حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾ [التوبة: ٦] وقال: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾ [النساء: ١٦٤] وقال: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [يس: ٨٢]

1 / 56

[إثبات المشيئة]
ويقولون ما يقوله المسلمون بأسرهم: (ما شاء الله كان، وما لا يشاء لا يكون)، كما قال تعالى: ﴿وَمَا تَشَاءُونَ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ اللَّهُ﴾ [الإنسان: ٣٠]
[علم الله]
ويقولون لا سبيل لأحد أن يخرج عن علم الله ولا أن يغلب فعله وإرادته مشيئة الله ولا أن يبدل علم الله، فإنه العالم لا يجهل ولا يسهو، والقادر لا يغلب.
[القرآن كلام الله]
ويقولون: القرآن كلام الله غير مخلوق، وإنما كيفما يصرف بقراءة القارئ له، وبلفظه، ومحفوظا في الصدور، متلوًا بالألسن، مكتوبًا في المصاحف، غير مخلوق، ومن قال بخلق (١)

(١) زعم كثير من أهل الأهواء أن الإمام البخاري قال: لفظي بالقرآن مخلوق، ولكن بعد التحقيق تبين أن نسبة هذا القول للإمام البخاري ﵀ من قبل شهادة الزور عليه وانه براء من هذه المقالة، قال نصر بن محمد: سمعت محمد بن إسماعيل البخاري يقول: (من زعم أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله) طبقات الحنابلة ١ / ٢٧٧، سير أعلام النبلاء ١٢ / ٤٥٧. وقال أبو عمر والخفاف: (أتيت البخاري فناظرته في الأحاديث حتى طابت نفسي، فقلت: يا أبا عبد الله هاهنا أحد يحكي عنك أنك قلت هذه المقالة. فقال: يا أبا عمرو أحفظ ما أقول لك: من زعم من أهل نيسابور وقومس والري وهمذان وحلوان وبغداد والكوفة والبصرة ومكة والمدينة أني قلت لفظي بالقرآن مخلوق فهو كذاب، فإني لم أقله، إلا أني قلت أفعال العباد مخلوقة) تاريخ بغداد ٢ / ٣٢ مقدمة فتح الباري ٤٩٢، سير أعلام النبلاء ١٢ / ٤٥٧-٤٥٨.

1 / 57