Iʿrāb al-Qurʾān li-Ibn Saydah
إعراب القرآن لابن سيده
وجواب الشرط الذي هو: إن كتب عليكم القتال، محذوف للدلالة عليه، وتوسط الشرط بين أجزاء الدليل على حذفه، كما توسط في قوله: {وإنا إن شاء الله لمهتدون}(البقرة: 70) وخبر عسيتم: أن لا تقاتلوا، هذا على المشهور أنها تدخل على المبتدأ والخبر، فيكون: أن، زيدت في الخبر، إذ: عسى للتراخي، ومن ذهب إلى أن: عسى، يتعدى إلى مفعول، جعل: أن لا تقاتلوا، هو المفعول، و: أن، مصدرية، والواو في: وما لنا، لربط هذا الكلام بما قبله، ولو حذف لجاز أن يكون منقطعا عنه، وهو استفهام في اللفظ، وإنكار في المعنى، و: أن لا نقاتل، أي: في ترك القتال، حذف الجر المتعلق بما تعلق به: لنا، الواقع خبرا لما الاستفهامية إذ هي مبتدأ، و: أن لا نقاتل، في مضوع نصب، أو: في موضع جر على الخلاف الذي بين سيبويه والخليل و: ذهب أبو الحسن إلى أن: أن، زائدة، وعملت النصب كما عمل باء الجر الزائد الجر، والجملة حال، أي: وما لنا غير مقاتلين، فيكون مثل قوله تعالى: ما لك لا تأمنا على يوسف}(يوسف: 11) ما لكم لا ترجون لله وقارا}(نوح: 13) وما لكم لا تؤمنون بالله}(الحديد: 8) وكقول العرب: ما لك قائما؟ وقال تعالى: فما لهم عن التذكرة معرضين}(المدثر: 49) وذهب قوم منهم ابن جرير إلى حذف الواو من: أن لا نقاتل، والتقدير: وما لنا ولأن لا نقاتل؟ قال: كما تقول: إياك أن تتكلم، بمعنى إياك وأن تتكلم، وهذا ومذهب أبي الحسن ليسا بشيء، لأن الزيادة والحذف على خلاف الأصل، ولا نذهب إليهما إلا لضرورة، ولا ضرورة تدعو هنا إلى ذلك مع صحة المعنى في عدم الزيادة والحذف، وأما: إياك أن تتكلم، فليس على حذف حرف العطف، بل: إياك، مضمن معنى إحذر. فأن تتكلم في موضع نصب كأنه قيل: احذر التكلم، وقد أخرجنا جملة حالية: أنكروا ترك القتال، وقد التبسوا بهذه الحال من إخراجهم من ديارهم وأبنائهم، والقائل هذا لم يخرج، لكنه أخرج مثله، فكان ذلك إخراجا له، ويمكن حمله على الظاهر، لأن كثيرا منهم استولي على بلادهم، وأسر أبناؤهم، فارتحلوا إلى غير بلادهم التي كان منشأهم بها، كما مر في قصتهم.
وقرأ عبيد بن عمير: وقد أخرجنا، أي العدو، والمعنى. في: وأبنائنا، أي: من بين أبنائنا، وقيل: هو على القلب أي: وأخرج منا أبناؤنا، ويحتمل أن يكون الفاعل: بأخرجنا، على قراءة عبيد المذكور ضميرا يعود على الله، أي: وقد أخرجنا الله بعصياننا وذنوبنا، فنحن نتوب ونقاتل في سبيله ليردنا إلى أوطاننا، ويجمع بيننا وبين أبنائنا، كما تقول: ما لي لا أطيع الله وقد عاقبني على معصيته؟ فينبغي أن أطيعه حتى لا يعاقبني، قال القشيري: أظهروا التجلد والتصلب في القتال ذبا عن أموالهم ومنازلهم حيث {قالوا وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله وقد أخرجنا من ديارنا وأبنائنا} فلذلك لم يتم قصدهم، لأنه لم يخلص لحق الله عزمهم، ولو أنهم قالوا: وما لنا أن لا نقاتل في سبيل الله، لأنه قد أمرنا، وأوجب علينا، لعلهم وفقوا لإتمام ما قصدوا.
{فلما كتب عليهم القتال تولوا إلا قليلا منهم} وانتصب: قليلا، على الاستثناء المتصل، ولا يجوز أن يكون المستثنى منهما، لو قلت: ضربت القوم إلا رجالا، لم يصح، وصح هذا لاختصاصه بأنه في نفسه صفة لموصوف، ولتقييده بقوله: منهم، ولم يبين هنا عدة هذا القليل، وبينته السنة، صح أن النبي صلى الله عليه وسلملما سئل عن عدة من كان معه يوم بدر قال: «ثلاثمائة وثلاثة عشر على عدة قوم طالوت»، وهؤلاء القليل ثبتوا على نياتهم السابقة، واستمرت عزائمهم على قتال أعدائهم.
Page 21