Al-Iʿlām bi-qawāṭiʿ al-islām min qawl aw fiʿl aw niyya aw taʿlīq mukaffir
الإعلام بقواطع الإسلام من قول أو فعل أو نية أو تعليق مكفر
Editor
محمد عواد العواد
Publisher
دار التقوى/ سوريا
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٢٨هـ/ ٢٠٠٨م
مقدمة المؤلف
نحمدك أن أطلعت لعلم الفتوى في سماء التحقيق شموسًا وبدورًا، وجعلت علماء علم الشريعة الغراء أرفع الناس في الدارين مكانة وحبورًا
1 / 43
وسرورًا، واخترتهم لحفظ فرائض الإسلام وسننه، وأقمتهم نجومًا يُهتدى بها في ظلمات الجهالات إلى منهجك القويم وسننه. ونشهد أن لا إله إلا أنت وحدك لا شريك لك شهادة يلوح عليها أمائر الإخلاص، وينجو مدخرها من أهوال قبائح المفترين عليك حين لا مناص، ونشهد أن سيدنا محمدًا عبدك ونبيك أفضل من أوذي فيك فصبر، وأجلّ من ابتليته فرضي وشكر، وأرسلته لخير أمة أخرجت للناس، فهديت به كل حائر، وأرديت به كل جائر، ومحوت به ظلم البدع والكفر لا سيما من بلدك الحرام، وقصمت ببراهين دينه الطغاة من الطغام، وأمرته بأن يورثها من بعده من الأئمة الأعلام حتى يردّوا بها على من عاندهم في واقعة من وقائع الأحكام، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه الذين نصروا الحق وأشادوا فخره، ودمغوا الباطل وأهله الكثيرين وأماتوا ذكره، صلاة وسلامًا دائمين ما قام بنصرة دينه القويم بعض وارثيه، وبذل نفسه في الله تعالى رجاء لما أعده لعارفيه.
أما بعد: فهذا تأليف جامع، ومجموع إن شاء الله نافع، دعاني إليه وقوع غلط فاحش في مسألة أفتيت بها فأحببت بيانها مع ما يتعلق بها؛ لأن الحاجة ماسة إلى جميع ذلك. سيما وقد توعرت هذه المسالك حتى صار الغلط في الواضحات فضلًا عن المشكلات أقرب إلى المنسوبين إلى العلم من حبل الوريد، ولسان حالهم يعلن أنه ليس لهم عنها من محيد، لما جبلوا عليه من مخالفة سنن الماضين، والخلود إلى أرض الشهوات والطمع فيما بأيدي
1 / 44
الظلمة والمتمردين، نسأل الله تعالى أن يعافينا من ذلك، وأن ينجينا من ظلم هذه المهالك، وأن يوفقنا إلى ما كان عليه أئمتنا من صالح العمل، وأن يجنبنا الزلل، إنه أكرم مسؤول وأرجى مأمول.
هذا، وقد لوّحت لك بالقضية الحاملة على هذا التأليف، وبيانها: أني لما كنت بمكة في مجاورتي الثالثة سنة اثنتين وأربعين وتسعمائة، رفعت إليّ فتوى صورتها: ما قولكم رضي الله عنكم في من تزوج غير بالغة ثم أشهد عليها أنه أقبضها حالّ صداقها، فهل يصح هذا الإشهاد؟ وهل للوصي مطالبته بالمهر، والدعوى به عليه؟ وهل له ولو حاكما أن يقول له: يا كلب يا عديم الدين أم لا؟ فماذا يلزمه في ذلك؟
فأجبت بما صورته: إن بلغت مصلحة لدينها ومالها صح قبضها والإشهاد عليها، ولم يكن للوصي مطالبته ولا الدعوى عليه، وقوله له ما ذكر محرم التحريم الشديد، بل ربما يكون قوله: يا عديم الدين كفرًا، فيعزر التعزير الشديد اللائق به والزاجر له ولأمثاله، والله ﷾ أعلم بالصواب، وكتبه فلان.
ثم دفعتها إلى صاحبها، فوقعت في أيدي جماعة أصدقاء للصادر منه ذلك، فقصدوا التقرب إليه بالكذب على الله (وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ) الشعراء/٢٢٧، فاعترضوا ما كتبته وشنعوا به عند العوام وموّهوا عليهم حتى
1 / 45
قال بعض مجازفيهم لعوامه: هذا الإفتاء كفر، وعلله بأنه يقتضي أنّ قائل هذا اللفظ يكفر مطلقًا وليس كذلك، ومن كفّر مسلمًا فقد كفر، ثم اعترضوه بأمور أخرى، منها: كيف يُفرع التعزير على الحكم بأنه كفر، ومنها: كيف يكتب المفتي التعزير الشديد، والتعزير راجع إلى رأي الإمام في الشدة والضعف.
ومنها أن من صدر منه ذلك مثله لا يفتى عليه، ومنها أن الجواب غير مطابق للسؤال، هذا ما نُقل إلي، وسمعته من اعتراضاتهم، وهي لدلالتها على غباوة قائلها غنية عن التعرض لها بردّ أو إبطال، لكن أحببت في هذا التأليف تحرير الألفاظ المكفرة التي ذكرها أصحابنا وغيرهم، فإن هذا باب منتشر جدًا، وقد اضطربت فيه أفكار الأئمة وعباراتهم، وزلت فيه أقدام كثيرين، ولخطر أمره وحكمه كان حقيقًا بالإفراد بالتأليف، ولم أر أحدًا عرج على ذلك، فقصدت تسهيل جمعه وبيان ما وقع للناس فيه بحسب ما اطلعت عليه، وضممت إلى ذلك فوائد عثر عليها فكري الفاتر، واستنتجها نظري القاصر.
أسأل الله أن يجعلني ممن هداه، وهدى به، وأن يصيّرني ممن وصل الخير لهذه الأمة بسببه، إنه جواد كريم رؤوف رحيم، غافر الزلات وراحم العثرات، فعليه التكلان ومنه التأييد والامتنان، وإليه المفزع في المهمات، ومن فيض فضله يغترف أسباب السداد والعصمة في الملمات.
ولنتكلم أولًا على الحكم الذي أبديناه في "يا عديم الدين" مقدمين عليه الكلام على من قال لمسلم: "يا كافر" فإنه الأصل الذي أخذت منه ما أشرت إليه في الجواب من التفصيل، ثم نعقبه برد ما ذكروه من الشُبه، ثم بتحرير بقية الألفاظ التي تقع بين الناس مما اتفق على أنها كفر أو اختلف فيه، فنقول: عبارة
1 / 46
الرافعي في العزيز نقلًا عن التتمة: أنه إذا قال لمسلم: "يا كافر" بلا تأويل كفر؛ لأنه سمى الإسلام كفرًا، وقد صح عنه ﷺ: (إذا قال الرجل لِأَخِيهِ: يَا كَافِرُ فَقَدْ بَاءَ بِهَا أَحَدُهُمَا)، والذي رماه به مسلم فيكون هو كافرًا. انتهى.
وتبعه النووي في الروضة وعبارته: قال المتولي: ولو قال لمسلم: يا كافر بلا تأويل كفر؛ لأنه سمى الإسلام كفرًا. انتهى.
1 / 47
واعتمد ذلك المتأخرون: كابن الرفعة والقمولي، والتتائي والإسنوي
1 / 48
والأذرعي وأبي زرعة وصاحب الأنوار وشارح الأنوار، بل كثير منهم كالتتائي والقمولي وصاحب الأنوار وغيرهم جزموا به من غير عزو، ولم ينفرد المتولي بذلك، بل سبقه إلى ذلك ووافقه عليه جمع من أكابر الأصحاب، منهم الأستاذ أبو إسحاق الإسفراييني
1 / 49
والحليمي والشيخ نصر المقدسي، وكذا الغزالي وابن دقيق العيد، بل
1 / 50
قضية كلام هؤلاء: أنه لا فرق بين أن يؤول أو لا، كما سيتضح لك من كلامهم الذي أذكره عنهم.
فإن قلت: قد خالف ذلك النووي نفسه في الأذكار، فقال: يحرم تحريمًا غليظًا.
قلت: لا مخالفة، فإن إطلاق التحريم في لفظ لا يقتضي أنه لا يكون كفرًا في بعض حالاته، فعبارة الأذكار لا تنافي عبارة الروضة وغيرها، على أن الكفر يحرم تحريمًا غليظًا فتكون عبارة الأذكار شاملة للكفر أيضًا، ونكتة التعبير بالتحريم الغليظ قصد الشمول للحالة التي يكون فيها كفرًا وغيرها.
وإذا تأملت هذا التقرير ظهر لك حسن ما فعلته في الجواب المذكور من قولي: فيعزر إلى آخره ...، حيث فرّعت على التحريم ولم أفرّع على الكفر، لأن التحريم هو الأمر المحقق، وأما الكفر فقد يوجد عند عدم التأويل، وقد لا يوجد، ولم نعلم أن قائل ذلك لم يؤول، فتعيّن التفريع على الأمر المحقق، وطرح الأمر المشكوك فيه، وبهذا اندفع الاعتراض السابق، وهو: كيف يفرع التعزير على الحكم بالكفر؟ وسيأتي لذلك مزيد.
فإن قلت: يؤيد ما في الأذكار قول ابن المنذر في الإشراف في باب
1 / 51
القذف: وأجمع كل من أحفظ عنه من أهل العلم على أن الرجل إذا قال لرجل من المسلمين: يا يهودي، يا نصراني، عليه التعزير ولا حد عليه. ثم قال: ويشبه ذلك مذهب الإمام الشافعي.
قلت: قد علمت مما تقرر في عبارة الأذكار أن عبارته كهذه العبارة مطلقة، وعبارة الشيخين وغيرهما السابقة عن المتولي مفصلة، والمطلق لا ينافي المفصل. ثم رأيت الأذرعي ذكر ما هو صريح في ذلك حيث قال عقب كلام ابن المنذر: وقياس ما تقدم أي: عن المتولي أنه إذا قاله بلا تأويل أنه يكفر، لأنه جعل الإسلام يهودية أو نصرانية، فتأمله. انتهى، فجعله مطلقا وجعل كلام الشيخين عن المتولي مفصلا، وحمل هذا الإطلاق على هذا التفصيل أخذًا بالقاعدة الأصولية الشهيرة.
فإن قلت: عبارة النووي في شرح مسلم قد تنافي ما تقرر
1 / 52