Ibn Taymiyya: Ḥayātuhu wa-ʿaṣruhu, ʾĀrāʾuhu wa-fiqhuhu
ابن تيمية: حياته وعصره، آراؤه وفقهه
Publisher
دار الفكر العربي
ففي شهر جمادى الآخرة من سنة ٧٠١ عقد مجلس لبعض اليهود، وألزموا بأداء الجزية أسوة بأمثالهم من اليهود والنصارى، فأحضروا كتاباً يزعمون أنه من رسول الله صلى الله عليه وسلم بوضع الجزية عنهم، فلما وقف الفقهاء عليه تبينوا أنه مكذوب مفتعل لما فيه من الألفاظ الركيكة واللحن الفاحش، وقد جادلهم ابن تيمية وبين لهم خطأهم وكذبهم وأن الكتاب مزور مكذوب، فأنابوا إلى أداء الجزية. ولقد كان ابن تيمية يقيم بعض الحدود بهذا السلطان فثار جماعة من حساده وشكوا منه أن يقيم الحدود ويعزر ويحلق رؤوس الصبيان، وتكلم هو أيضاً فيمن يشكون منه، وقد أقر الوالي عمل ابن تيمية، وسكنت الفتنة عند هذا الحد(١). كانت تلك المنزلة الرفيعة التي نالها ابن تيمية مثيرة لحسد الحساد، وحقد الحاقدين، ولم يجدوا السبيل لأن ينفثوا سم حقدهم عند الأمراء، لأن العدو يهددهم، وقد علمت منزلة ابن تيمية وقت أن يجد الحد، ويشتد الأمر، وتتأزم الأحوال، فأرادوا أن يكيدوا له من هذه الناحية؛ ليكون الكلام أوقع، ولعله ينال استماعا.
فقد جاء إلى نائب السلطنة كتاب فيه أن ابن تيمية ومعه غيره من العلماء والأفراد والخواص يناصحون التتار ويكاتبونهم، ويؤيدون من يمالئهم، ولكن تبين نائب السلطنة بادئ الرأي أنه مفتعل، وتحرى عن واضعه، ولم يحتج إلى التحري عن حقيقته، فعرف كاتبه وعزر تعزيراً شديداً، وقطعت يد كاتبه.
٤٧- ابن تيمية الفارس والعالم:
جاء التتار بجموعهم إلى الشام سنة ٧٠٢، وساوروا دمشق، وأرجف المرجفون، وخرجت القلوب من جنوبها، واستعدت الجيوش المصرية والشامية لملاقاتها؛ وقد أخذ دعاة التردد والهزيمة ينشرون الفزع في قلوب الناس، ولكن تحالف العلماء والقضاة والأمراء على أن يلاقوا العدو؛ ولا يفروا من دمشق؛ وابن تيمية يثبت القلوب ويعدهم بالنصر متأولا قوله تعالى مؤمناً به ((ومن بغى
(١) راجع هذه الأخبار كلها في البداية والنهاية.
42