Ibn Sina Faylusuf
ابن سينا الفيلسوف: بعد تسعمئة سنة على وفاته
Genres
في البدن قوة تحركه وتسمى نفسا، وهذه النفس تقتبل المعقولات من العقل الفعال؛ ولذلك تكون له محلا بنوع من الأنواع، والحال أن محل المعقولات لا يمكنه أن يكون جسما؛ إذن إن النفس البشرية هي لا مادية؛ وبالتالي خالدة.
من المستحيل أن يكون محل المعقولات جسما أو مقدارا من المقادير؛ لأنه إن كان جسما؛ فإما يكون منقسما وإما غير منقسم، فإذا كان غير منقسم أي نقطة؛ فالنقطة هي نهاية ما لا تمييز لها في الوضع عن الخط والمقدار؛ ولذا لا يمكنها أن تقبل شيئا عرضيا؛ بل كل ما تقبله يجب أن يكون ذاتا أو مقدارا، والحال أن العقل الفعال لا يستطيع أن يكون ذاتا في جسم واحد؛ لأنه يدبر جميع الأجسام على السواء، كما أنه لا يمكنه أن يكون مقدارا؛ إذن لا يسوغ لمحل المعقولات أن يكون جسما غير منقسم.
وإذا فرضنا أن محل المعقولات هو جسم منقسم، فيلزم من باب الوجوب أن نفرض أن الصورة المعقولة تنقسم، وحينئذ لا يخلو إما أن يكون الجزآن المنقسمان متشابهين أو غير متشابهين؛ فإن كانا متشابهين فكيف يجتمع منهما ما ليس إياهما؟ وإن كانا غير متشابهين فإنه ليس يمكن أن تكون الأجزاء غير المتشابهة إلا أجزاء الحد التي هي الأجناس والفصول بالقوة غير متناهية، والمعلوم أن الأجناس والفصول الذاتية للشيء الواحد ليست في القوة غير متناهية؛ إذن ...
9
ثانيا:
إن النفس البشرية هي جوهر بسيط، والبسيط لا ينحل كما تنحل العناصر، إذن النفس تبقى ولو فارقها الجسد؛ لأنها أسمى منه مادة وأغلى قيمة هبطت إليه عن كره. نحن لا ننكر أن النفس تتألم بتألم الجسد، ولكن الجسد بالوقت نفسه هو الذي يعيقها عن بلوغ الكمال والاتحاد بالذات العليا؛ لذلك إذا كانت مستكملة بالكمالات لا تحزن لفراق الجسد. قال المعلم الثالث:
حتى إذا قرب المسير من الحمى
ودنا الرحيل إلى الفضاء الأوسع
سجعت، وقد كشف الغطاء فأبصرت
ما ليس يدرك بالعيون الهجع
Unknown page