56

Ibn Ḥazm ḥayātuh wa-ʿaṣruhu ārāʾuhu wa-fiqhuhu

ابن حزم حياته و عصره آراؤه وفقهه

Publisher

دار الفكر العربي

Publisher Location

القاهرة

والفقهاء السبعة بالمدينة حاشا سعيد بن المسيب يقبلون جوائز السلطان وكان ابن شهاب يقبلها، ويتقلب في جوائزهم وكانت أكثر كسبه وكذلك أبو الزناد وكان مالك وأبو يوسف والشافعي وغيرهم من فقهاء الحجاز والعراق يقبلون جوائز السلاطين والأمراء وكان سفيان الثوري مع ورعه وفضله يقول: جوائز السلاطين أحب إلي من صلة الإخوان، لأن الإخوان يمنون والسلطان لا يمن. ومثل هذا عن العلماء والفضلاء كثير، وقد جمع الناس فيه أبواباً، ولأحمد بن خالد فقيه الأندلس وعالمها في ذلك كتاب حمله على وضعه وجمعه طعن أهل بلده عليه في قبول جوائز عبد الرحمن الناصر، إذ نقله إلى المدينة بقرطبة، وأسكنه داراً من دور الجامع، وقربه وأجرى عليه الرزق من الطعام والإدام والناض. وله ولمثله في بيت المال حظ، والمسئول عن التخليط فيه هو السلطان، كما قال عبد الله بن مسعود، لك المهنأ وعليه المأثم ما لم تعلم الشيء بعينه حراماً. ومعنى قول ابن مسعود هذا قد أجمع العلماء عليه. فمن علم الشيء بعينه حراماً مأخوذاً من غير حله من الأشياء المتعينة غصباً أو سرقة أو مأخوذة بظلم بين لا شبهة فيه، فهذا الذي لم يختلف في تحريمه وسقوط عدالة آكله وتملكه، وما أعلم من علماء التابعين أحداً تورع عن جوائز السلطان إلا سعيد بن المسيب بالمدينة ومحمد بن سيرين بالبصرة، وهما قد ذهبا مثلاً في التورع وسلك سبيلهما في ذلك أحمد بن حنبل. وأهل الزهد والورع والتقشف رحمة الله عليهم أجمعين، والزهد في الدنيا من أفضل الفضائل.

ولا يحل لمن وفقه الله تعالى وزهد فيها أن يحرم ما أباح الله منها... والعجب من أهل زماننا أنهم يعيبون بالشبهات وهم يستحلون المحرمات ومثالهم عندي كالذين سألوا عبد الله بن عمر رضي الله عنهما عن المحرم يقتل القراد. فقال للسائلين: من أنتم؟ قالوا: من أهل الكوفة. فقال: تسألون عن هذا وأنتم قتلتم الحسين بن علي رضي الله عنهما. وروى ابن عمر عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال «ما أتاك من غير مسألة فكله وتموله» وروى أبو سعيد الخدري وجابر بن عبد الله عن النبي صلى الله عليه وسلم معناه. وفي حديث أحدهما: «إنما هو رزق رزقكه الله تعالى» وفي لفظ بعض الرواة «ولا ترد

56