فهي اليوم تتماسك على مضض ، أو على صبر أليم، وحسبك من مدينة تفجع في مواردها جميعا، ولا تزال ناهضة على قدميها في إباء المناضل المستميت. •••
إلى جانب هذه «الشيخة» الصبور فتاة ماكرة لعوب تتيه عليها بدلال الفتنة وجمال الشباب ...
تلك مدينة تل أبيب ...
صبية لم تتجاوز الثانية والعشرين، إذا نظرنا إلى مولدها الصحيح في أعقاب الحرب الماضية، ولم تتجاوز السادسة والثلاثين إذا نظرنا إلى نشأتها في عهد الدولة العثمانية أيام كانت هذه الدولة تحب أن تستعين بالدعاية الإسرائيلية في مقاومة روسيا، ودويلات البلقان، ولم تكن نشأتها يومئذ نشأة مدينة تزخر بالسكان، وتحتوي من الوافدين عشرات الألوف، ولكنها كانت روضة للنزهة وقضاء ساعات الأصيل في أيام الصيف والربيع؛ ولهذا سميت «تل الربيع» حين غرسوها في أول عهدها بالظهور ...
كذلك نشأت منذ نيف وثلاثين سنة على غير حذر من عواقبها السريعة، لا من جانب الراعي ولا من جانب الرعية ...
أما اليوم فليست هي تلك الروضة البريئة التي يتنسم لديها أهل «يافا» نفحات الغروب من نسمات الربيع ...
يا له من صراع عجيب بين شيخة الأمس وفتاة اليوم ...
وإنه لصراع ظالم إذا ترك فيه الندان منفردين على النحو الذي نراه؛ لأن «يافا» تقف وحدها هناك، ولا تقف «تل أبيب» وحدها في ميدانها ... بل تقف هنالك من ورائها أمة موزعة بين جميع أنحاء العالم تعينها بأحدث ما اخترعه العلم من الوسائل، وأخفى ما يعرفه المال من الأساليب، وأقوى ما تسيطر عليه السياسة من الخدع والأحابيل ...
واليافيون لا يغفلون عن الخطر الذي يستهدفون له، ولا يجهلون أن الأساليب القديمة لن تجدي وحدها في اتقاء هذه المنافسة، التي تعتز بأحدث ما عرفه الناس من ضروب التعمير والاستغلال ...
فقد علمت من مدير المجلس البلدي بمدينة يافا أنهم يعدون العدة لبناء الكرنيش الذي يضارع كرنيش تل أبيب، ولتنظيم الطرقات التي لا تزال بحاجة إلى التنظيم ...
Unknown page