Hakadha Takallam Zaradusht
هكذا تكلم زرادشت: كتاب للكل ولا لأحد
Genres
الحادثات الجسام
على مقربة من جزر زارا السعيدة، تقوم في البحر جزيرة فوقها بركان يقذف حممه عليها بلا انقطاع، ويقول الشعب وبخاصة العجائز فيه: إن هذه الجزيرة منتصبة صخرا يسد باب الجحيم، غير أن هنالك منفذا ضيقا يخترق البركان وينتهي إلى هذا الباب.
في ذلك الزمان، حين كان زارا يسكن جزره السعيدة ألقى مركب مرساته أمام الجزيرة التي يعلوها الجبل المشتعل، ونزل بحارته إلى البر ليقتنصوا بعض الأرانب، وما حان وقت الظهيرة واجتمع القبطان برجاله بعد أن لموا شعثهم حتى رأى هؤلاء الناس رجلا يخترق الفضاء بغتة إليهم ثم اقترب منهم وصاح بهم بصوت جلي قائلا: لقد حان الزمن، لقد اقترب كثيرا ...
ومر بهم الشبح مسرعا وهو يتجه إلى البركان، فتميزوا به شخص زارا؛ لأنهم كانوا رأوه من قبل جميعهم ما عدا القبطان، وأحبوه كما يحب الشعب من يخشى.
فقال شيخ البحارة: هذا زارا يسير إلى الجحيم.
وفي الزمن الذي نزل فيه البحارة إلى جزيرة اللهب، كان شاع اختفاء زارا بين الناس وقال صحبه لمن سألوا عنه: إنه أبحر على مركب تحت جنح الظلام، ولم يعرف أحد الوجهة التي يقصدها.
هكذا ساد القلق من اختفاء زارا، وبعد ثلاثة أيام زاد هذا القلق بعد أن أخبر البحارة بما رأوا، وشاع بين الشعب أن إبليس قد اختطف زارا، ولكن صحب زارا لم يأبهوا لهذه الإشاعة بل ضحكوا منها وقالوا: إن ما نعتقده هو أن زارا قد اختطف الشيطان.
غير أن اختفاء زارا كان يشغل بال صحبه، وما مضت خمسة أيام حتى عاد إليهم، فكان سرورهم عظيما.
وهذا ما نقله زارا لهم عن حديثه مع كلب النار. قال: إن للأرض جلدا ولهذا الجلد أمراضه، وأحد هذه الأمراض الإنسان وهنالك مرض آخر يدعى كلب النار، وقد كان هذا الكلب السبب في تناقل الناس الأكاذيب وتصديقهم لها، وما اجتزت البحار إلا لأكشف هذا السر فرأيت الحقيقة عارية من أخمص قدميها حتى عنقها، فما تخفى عني الآن حقيقة كلب النار، وحقيقة جميع أبالسة التمرد والأقذار التي لا تتفرد العجائز بالذعر منها.
لقد هتفت قائلا: اخرج من أغوارك أيها الكلب الناري وقل لي كم هي عميقة أغوارك ومن أين تأتي بما تنفثه علينا؟ إنك تكرع من البحر بشراهة، وذلك ما تنم عليه مرارة الملح في ثرثرتك، والحق أنك وأنت كلب الأغوار لا تستمد غذاءك إلا من الأماكن السطحية، فما أنت إلا كالمتكلم من بطنه؛ لأنني في كل مرة سمعت فيها أقوال أبالسة التمرد والأقذار تبينتهم أشبه بك في دناءتك وأكاذيبك، لقد اتفقت أنت معهم على النباح، واتفقتم جميعكم على ذر الرماد ونشر الظلام، فأنتم أعظم المتفاخرين وتعرفون كيف تدفعون بالأوحال إلى الفوران، وحيث تكونون لا بد أن تحيط بكم الوحول وكل ما هو إسفنجي مضغوط ضيق المسام، وما يطلب الانطلاق إلا من اتصف بهذه الصفات. والحرية هي الصرخة التي تفضلونها غير أنني فقدت إيماني بالحادثات الجسام منذ رأيت الصراخ والدخان يتعاليان حولها.
Unknown page