Hadha Huwa Kull Shay
هذا هو كل شيء: قصائد من برشت
Genres
ربما كان أهم ما تعلمه برشت من الفلسفة الجدلية - سواء كانت مثالية هيجلية أو مادية ماركسية - هي فكرة التجدد والتغير التي تحولت عنده إلى دعوة مستمرة للتغيير لا يفتأ يوجهها إلى قارئ شعره ويطالب بها المتفرج على مسرحياته (راجع على سبيل المثال قصائده عن: الجدل، وسيولة الأشياء، وعجلة الماء، والشكاك، وكل شيء يتحول، وغير العالم فهو يحتاج للتغيير، وهكذا يربي الإنسان نفسه حين يغير نفسه). سئل ذات مرة عما يمكن أن يفعله في سبيل إنسان يحبه فقال: «أضع له مخططا نموذجيا وأبذل كل ما في وسعي لكي يكون مشابها له.» وعندما عاود السائل سؤاله وهو مندهش: من تقصد؟ النموذج؟ رد عليه بهدوء: بل الإنسان.
5
هذا الرد المفاجئ يعبر عن اقتناع برشت بأن الإنسان يستطيع دائما أن يبدأ من جديد حتى لو تحتم أن يجيء هذا التجدد مع آخر أنفاسه (راجع قصيدته البديعة يا لذة البدء الجديد) ولو قفزنا إلى اللحظة التي لفظ فيها أنفاسه الأخيرة لوجدناه يملي هذه العبارة على أحد الذين حضروا وفاته: «أكتب أنني كنت إنسانا غير مريح، وأنني أنوي أن أبقى كذلك بعد موتي ...» ثم يفتح عينيه قبل أن يغمضهما إلى الأبد؛ ليقول: «ولكن ستبقى ثمة إمكانات معينة.» وصدق التاريخ حدسه، فتقلبت مواقف الناس منه في بلاده وفي العالم كله بين التحمس الجارف له والإعجاب الشديد به - لدرجة تقليده تقليدا أعمى - إلى كراهيته واحتقاره والعداء القاتل لشخصه وإنتاجه الذي تغيرت كذلك المواقف منه ومن نظريته الشهيرة عن المسرح الملحمي وضرورة إحداث «أثر الإغراب» سواء في صياغة النص أو في طريقة عرضه وإلقائه أو في تأثيره الممكن والمطلوب على المتفرج لتغييره ودعوته لتغيير علاقاته بالواقع وعلاقات الواقع به، بحيث يمكن في النهاية أن نردد ما قاله عن نفسه في إحدى قصائده (عن الأسنان السيئة):
محتقر، شرير، وازداد برودي بمرور الأعوام،
فتركت كياني يستسلم للآفاق الميتافيزيقية ...
ونعود إلى الحب الذي بدأنا به لتصوير إيمانه بضرورة التغير والتغيير فنجده (أي الحب!) يعبر عن هذا الاعتقاد الراسخ - الذي غذاه اقتناعه الجذري بالاشتراكية، وقراءاته المستفيضة في شبابه لماركس، ويقينه الدائم بأن المستغلين والمضطهدين والجوعى والمظلومين والمخدوعين من العمال والفقراء والعامة هم الأداة الحقيقية للتغيير - فنحن في رأيه لا نحب إنسانا «جاهزا» ولا نحب «الصورة» التي نصنعها منه ثم نصاب بعد ذلك بخيبة الأمل لأنه لم يحققها أو لم يكد يقترب منها (كما هو الحال في مآسي العلاقة التي توصف عادة بصفة الحب بين فئات الطبقة الوسطى!) ذلك لأن الحب «فعل منتج» أو مبدع «يشكل» المحبوب ويساعده على إظهار قدراته وتنميتها، ويجعل منه إنسانا آخر غير ما كان عليه قبل أن نرتبط به بعلاقة الحب. ولعل هذا يفسر كثرة علاقات الحب في حياة برشت (على الرغم من أن المرأة المحبة والمحبوبة لا تقوم بدور كبير في شعره ومسرحه، على العكس من دور «الأم» المتميز المشحون بالعاطفة في أشعاره وفي العديد من مسرحياته، كالأم، وبنادق السيدة كارار، والأم شجاعة وأبناؤها، ودائرة الطباشير القوقازية، وقائل نعم وقائل لا، وانظر كذلك قصيدته إلى أمي وأغنية عن أمي) أو لعله يفسر أيضا كثرة زيجاته - وآخرها مع زوجته ومديرة فرقته المسرحية في مسرح الشفباور دام هيلينة فايجل، التي ارتبط اسمها بدورها الخالد في الأم شجاعة، كما أهداها هو نفسه عددا من أرق قصائده التي تجد بعضها في هذه المجموعة - ولعله يفسر أخيرا كيف كانت النساء اللائي صادفهن واستعان بهن في عمله «أدوات إنتاج» (بالمعنى الفني لا الاقتصادي !) تحثه على المزيد من الإبداع، وكيف كان «جريه» وراءهن نوعا من البحث عن «الأم» التي لا ينفك المبدعون يفتشون عنها سدى في الحبيبة والزوجة على أمل العثور عليها ثم يكتشفون في النهاية أنهم كانوا واهمين.
سيطرت مقولة «التغير» و«التغيير» على حياة برشت وتفكيره وأعماله منذ صباه وشبابه الباكر بحيث يمكن أن نجعل هذه العبارة شعارا له: حذار أن تبقى حيثما كنت وكيفما كنت. فأصوله تنحدر من الغابات السوداء (حيث عاشت عائلة أبيه في بلدة آخرن في المنطقة الجنوبية التي تعرف باسم الغابة السوداء) وأمه قد حملته إلى مدن الأسفلت (كما يقول في قصيدته عن برتولت برشت المسكين) وهناك ولد ونشأ في مدينة أوجسبرج التي كان أبوه يعمل فيها موظفا بسيطا في «شركة هايندل» لصناعة الورق قبل أن يترقى بالتدريج إلى منصب المدير التجاري وينقل أسرته من قاع الطبقة الوسطى الفقيرة إلى حياة «برجوازية» مريحة في مسكن واسع يسرته له الشركة وسط البيئة العمالية المحيطة. ويبدو أن احتقاره للبرجوازية وعداءه الاستفزازي لها قد بدأ يتملك وعيه منذ ذلك الحين، ثم وصل إلى حد مقاطعة أسرته تماما بعد موت أمه في اليوم الأول من شهر مايو سنة 1920م. وحاول بعد ذلك بوقت طويل أن يجد في أصوله نفسها مبررا تاريخيا لانتمائه إلى الطبقة الدنيا وانشقاقه المبكر عن طبقته، وذلك في قصيدته البديعة «العجوزة المهينة» عن جدته لأبيه التي تفرق أبناؤها وبناتها بعد موت الأب ورفضت أن يعيش أحدهم معها في بيت العائلة الكبير، مصممة على أن تعيش السنتين الأخيرتين من عمرها حرة طليقة بين أصدقائها الفقراء، مستمتعة بمالها القليل لتعويض شقاء العمر الذي قضته في عبودية الخدمة المضنية لأفراد أسرتها وأبنائها الذين قاطعتهم وضاقت حتى بسؤالهم عن أحوالها أو الإشفاق عليها والوقوف بجانبها.
ومع ذلك فقد عاش حياة صبي برجوازي عادي، وتزعم «شلة» الأصدقاء الفوضويين الذين دأبوا على إزعاج المواطنين في الشوارع بصخبهم وغنائهم وعزفهم على القيثارة، وعلى التجمع في أحضان الطبيعة الأم على ضفاف «نهر الليش» أو في أعماق الغابة السوداء. وخلد برشت هذه المرحلة الفوضوية المعبرة عن عدائه للبرجوازية في شخصية الشاعر التعبيري المتهتك والمستهتر بكل القيم والمواضعات الاجتماعية إلى حد العدمية في أولى مسرحياته الكبرى في شخصية «بعل» الذي يحيا حياة وحش طبيعي فاجر على حساب الآخرين. ويصعب في الحقيقة أن نقول إنه نموذج مطابق تماما لشخصية برشت في ذلك الحين مهما اتفق معه في نزعته العدمية المتمردة. والدليل على هذا أنه يسخر طول الوقت في هذه المسرحية - وفي المسرحيتين التعبيريتين التاليتين لها وهما: طبول في الليل، وفي أدغال المدن - سخرية فظيعة من التعبيرية التي عاصرها وتأثر بأساليبها الفنية، ولكنه رفضها من أعماقه وطفق يبحث عن بديل إيجابي يستطيع أن يغير الواقع الفاسد ولا يكتفي بالصراخ المطلق الأجوف احتجاجا عليه (راجع كورال بعل العظيم، وأغنية بعل والموت في الغابة، وغيرها من قصائد هذه المرحلة التي امتدت حتى أواسط العشرينيات). والغريب أن كراهيته الشديدة للحرب قد ظهرت بالفعل في القصيدة المشهورة التي كتبها سنة 1918 وهي «خرافة الجندي الميت» التي ضمنت له في العشرينيات مكانا مرموقا في القائمة السوداء التي أعدها النازيون للكتاب والشعراء الذين اتهموهم بعد ذلك بالخيانة والانحلال وأحرقوا كتبهم في ذلك الحريق الأسود المعروف (راجع نص القصيدة ضمن القصائد المختارة من إنتاجه الشعري بين سنتي 1916 و1926م). ويقال إنها كانت وراء تجريد النازيين له من الجنسية بسبب سخريته الفظيعة فيها من العسكرية الألمانية.
وتعثرت دراسة برشت - التي قطعها عمله كممرض في المستشفيات المتنقلة خلال الحرب العالمية الأولى - بين مدينتي أوجسبورج وميونيخ، وبين الفلسفة والعلوم الطبيعية وعلوم الأدب والمسرح، فلم ينتظم فيها ولم يتمها أبدا. ولكنه عوض عن ذلك الفشل بكتابة مسرحية «طبول في الليل» (1919م) التي حققت له أول نجاح باهر في حياته المسرحية عندما جلبت له جائزة كلايست الأدبية المرموقة في سنة 1922م (نسبة إلى الأديب والكاتب المسرحي العظيم هينريش فون كلايست (1777-1811م)). والجدير بالذكر أن الناقد هربرت إيهيزنج - الذي يعد بحق مكتشف برشت - قد كتب يقول في ذلك الحين بلهجة شديدة التحمس للكاتب المسرحي الناشئ: «إن برتولت برشت قد غير الوجه الأدبي لألمانيا.» وهذه المسرحية - التي تشرفت بمراجعة ترجمتها العربية في الستينيات - توجه النقد القاسي للطبقة البرجوازية التي تكونت في ظل جمهورية فيمار الضعيفة المتهالكة وحققت «إنجازاتها» على جثث الضحايا من الفقراء والعمال العاطلين والمهزومين العائدين من الحرب. هنا نجد نموذج الإنسان «المتكيف» في العشرينيات، كما نجد في مسرحية «رجل برجل» (التي كتبت بين سنتي 1924 و1926م) نموذج الإنسان «المتفاهم» مع الواقع الاجتماعي المتغير إلى حد الموافقة على أن يستبدل بشخصه شخصا آخر يمكنه أن يعايش الواقع الجديد. لقد تغير هذا الواقع وغير معه الإنسان تغييرا عميقا بإخضاعه لسطوة التقنية وإغراق فرديته في مجتمع «الجماهير» وتكريس عزلته واغترابه وفقدان «وجهه» وشخصيته. ولا يعني «التفاهم» الذي تدافع عنه المسرحيتان قبول المعطيات الجديدة قبولا أعمى، بل يعني ضرورة وضعها في الاعتبار كحقائق اجتماعية لا بد من الاعتراف بها إذا أردنا ألا يقف التغيير عند حدود الرغبة والتمني، وإذا حاولنا كذلك أن يستعيد الإنسان فرديته أو تفرده كجزء لا يتجزأ من الجماعة و«أنا» لا قوام لها إلا ب «النحن» ولا عمل حقيقيا إلا من خلاله. ولا تعني هذه المرحلة من حياة برشت وإنتاجه (من حوالي 1924م إلى 1931م) التي وصفت أحيانا بالمرحلة السلوكية (نسبة إلى المدرسة السلوكية الأمريكية المعروفة في علم النفس - أو بالأحرى علم السلوك!) أنه أذعن لأيديولوجية التكيف الرأسمالية أو أغمض عينه عن اغتراب الفرد وبؤسه في ظل العلاقات الاجتماعية البرجوازية أو توقف عن التمرد عليها، بل معناه أن هذه الحقائق والضرورات الجديدة قد أصبحت وقائع ينبغي أن يحسب حسابها؛ لأن الإنسان المغترب في هذا المجتمع لن يتخلص من اغترابه إلا بتغيير المجتمع، ولأن الفرد ليس معطى في فراغ وإنما هو نتاج العملية الاجتماعية نفسها. وتفهم هذه العملية - ولا أقول الموافقة عليها! هو الشرط الضروري لتغييرها وتغيير الإنسان «الاجتماعي» معها - وطبيعي أن نلمح هنا البدايات الاشتراكية التي ظهر معها إيمان برشت بدور «الجماهير» في المجتمع الطبقي، أي بدور الطبقة العاملة كقوة تاريخية قادرة على التغيير.
غير برشت مكان إقامته أيضا، وأخذ يهيئ نفسه للانتقال من ميونيخ - التي عاش وعمل فيها حتى سنة 1924م - إلى برلين التي سيعقد فيها أواصر صداقات عديدة، ويقدم بعض أعماله الدرامية للعرض على مسارحها (قدمت «طبول في الليل» على خشبة المسرح الألماني في شهر ديسمبر سنة 1923م. و«في أدغال المدن» على المسرح نفسه بعد مرور ما يقل عن العام، كما تعرف على هيلينة فايجل التي تزوجها بعد ذلك وجسدت أهم وأشهر شخصياته وهي الأم شجاعة، وتولت إدارة فرقته المسرحية بعد رجوعه معها من منفاه في سنة 1948). وتجلت شخصية برشت «الجماعية» التي لا يحلو لها العيش والإنتاج إلا مع الجماعة ومن أجلها، ولا تؤمن بالخرافة الموروثة عن الرومانسية والتعبيرية بأن الأديب كائن فردي متوحد؛ فهو يغوص في أدغال المدينة، ويوثق صلاته بالأصدقاء، ويستعين بالمساعدين والمساعدات (مثل مرجريته شتيفن وإليزابيت هاوبتمان التي لازمته حتى وفاته) في إعداد نصوصه وتعديلها ومناقشتها معهن ومع الممثلين والفنيين والنظارة أيضا في صبر وتسامح وقدرة نادرة على التعلم من الآخرين، وعلى الإنتاج الجماعي للمسرحية
Unknown page