616

Ghidhaʾ al-albāb fī sharḥ manẓūmat al-ādāb

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

Publisher

مؤسسة قرطبة

Edition

الثانية

Publication Year

1414 AH

Publisher Location

مصر

وَرَوَى أَبُو دَاوُد وَابْنُ مَاجَهْ عَنْ أَنَسٍ ﵁ قَالَ «أُتِيَ رَسُولُ اللَّهِ ﷺ بِتَمْرٍ عَتِيقٍ، فَجَعَلَ يُفَتِّشُهُ يُخْرِجُ السُّوسَ مِنْهُ» .
وَفِي هَذَيْنِ الْحَدِيثَيْنِ بَحْثَانِ:
(الْأَوَّلُ): فِي إلْقَائِهِ ﷺ النَّوَى بِأُصْبُعَيْهِ. قَالَ الْبَيْهَقِيُّ فِي الشُّعَبِ: الْحِكْمَةُ فِي ذَلِكَ نَهْيُهُ ﷺ أَنْ يَجْعَلَ الْآكِلُ النَّوَى عَلَى الطَّبَقِ، وَعَلَّلَهُ الْحَكِيمُ التِّرْمِذِيُّ بِأَنَّهُ قَدْ يُخَالِطُهُ الرِّيقُ وَرُطُوبَةُ الْفَمِ: فَإِذَا خَالَطَ مَا فِي الطَّبَقِ عَافَتْهُ الْأَنْفُسُ. انْتَهَى.
قَالَ فِي الْآدَابِ: قَالَ الْإِمَامُ ابْنُ الْجَوْزِيِّ فِي آدَابِ الْأَكْلِ: لَا يَجْمَعُ بَيْنَ النَّوَى وَالتَّمْرِ فِي طَبَقٍ، وَلَا يَجْمَعُهُ فِي كَفِّهِ، بَلْ يَضَعُهُ مِنْ فِيهِ عَلَى ظَهْرِ كَفِّهِ، ثُمَّ يُلْقِيهِ، وَكَذَا كُلُّ مَا لَهُ عَجَمٌ وَثُفْلٌ. وَهَذَا مَعْنَى كَلَامِ الْآمِدِيِّ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: الْعَجَمُ بِالتَّحْرِيكِ النَّوَى وَكُلُّ مَا كَانَ فِي جَوْفِ مَأْكُولٍ كَالزَّبِيبِ، الْوَاحِدَةُ عَجَمَةٌ مِثْلُ قَصَبَةٍ وَقَصَبٍ. قَالَ يَعْقُوبُ: الْعَامَّةُ تَقُولُ عَجْمٌ بِالتَّسْكِينِ. وَالثُّفْلُ بِضَمِّ الثَّاءِ الْمُثَلَّثَةِ وَسُكُونِ الْفَاءِ مَا ثَقُلَ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ.
قَالَ الْيُونِينِيُّ فِي مُخْتَصَرِ الْآدَابِ: وَهَذَا الْأَدَبُ - وَاَللَّهُ أَعْلَمُ - بِسَبَبِ مُبَاشَرَةِ الرُّطُوبَةِ الْمُنْفَصِلَةِ، وَالْعُرْفُ، وَالْعَادَةُ خِلَافُ ذَلِكَ، لَكِنَّ الْحُكْمَ لِلشَّرْعِ لَا لِلْعُرْفِ الْحَادِثِ، وَقَدْ قَالَ أَبُو بَكْرِ بْنُ حَمَّادٍ: رَأَيْتُ الْإِمَامَ أَحْمَدَ ﵁ يَأْكُلُ وَيَأْخُذُ النَّوَى عَلَى ظَهْرِ إصْبَعَيْهِ السَّبَّابَةِ، وَالْوُسْطَى وَرَأَيْته يَكْرَهُ أَنْ يَجْعَلَ النَّوَى مَعَ التَّمْرِ فِي شَيْءٍ وَاحِدٍ. ذَكَرَهُ الْخَلَّالُ فِي جَامِعِهِ وَصَاحِبُهُ أَبُو بَكْرٍ.
مَطْلَبٌ: لَا بَأْسَ بِتَفْتِيشِ التَّمْرِ وَمَا فِي مَعْنَاهُ إنْ ظَهَرَ أَوْ ظَنَّ أَنَّ فِيهِ دُودًا
(الثَّانِي): فِي تَفْتِيشِهِ ﷺ التَّمْرَ، وَقَدْ رُوِيَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ ﷺ النَّهْيُ عَنْ شَقِّ التَّمْرَةِ عَمَّا فِي جَوْفِهَا. فَإِنْ صَحَّ فَيُشْبِهُ أَنْ يَكُونَ الْمُرَادُ إذَا كَانَ التَّمْرُ جَدِيدًا. وَاَلَّذِي رَوَيْنَاهُ فِي الْعَتِيقِ: قَالَهُ الْبَيْهَقِيُّ، وَقَالَ الْآمِدِيُّ: لَا بَأْسَ بِتَفْتِيشِ التَّمْرِ وَتَنْقِيَتِهِ. قَالَ ابْنُ مُفْلِحٍ: وَكَلَامُهُ إنَّمَا يَدُلُّ عَلَى مَا فِيهِ شَيْءٌ، وَهُوَ الْعَتِيقُ. قَالَ الْيُونِينِيُّ: مَعَ أَنَّهُ صَادِقٌ عَلَى مَا تَعَلَّقَ بِهِ مِمَّا لَا يُؤْكَلُ مَعَهُ شَرْعًا وَعُرْفًا. وَمِثْلُهُ مَا فِي مَعْنَاهُ مِنْ فَاكِهَةٍ وَغَيْرِهَا.

2 / 155