595

Ghidhaʾ al-albāb fī sharḥ manẓūmat al-ādāb

غذاء الألباب في شرح منظومة الآداب

Publisher

مؤسسة قرطبة

Edition

الثانية

Publication Year

1414 AH

Publisher Location

مصر

فِيهِ مَا يُؤْذِي فِي بَابِ الْوَرَعِ وَكَانَ مَا شَرَحْته جَوَابًا لِلْقَائِلِ مَا أُبَلِّغُ نَفْسِي شَهْوَةً عَلَى الْإِطْلَاقِ.
قَالَ: وَالْوَجْهُ الثَّانِي أَنِّي أَخَافُ عَلَى الزَّاهِدِ أَنْ تَكُونَ شَهْوَتُهُ انْقَلَبَتْ إلَى التَّرْكِ فَصَارَ يَشْتَهِي أَنْ لَا يَتَنَاوَلَ وَلِلنَّفْسِ فِي هَذَا مَكْرٌ خَفِيٌّ وَرِيَاءٌ دَقِيقٌ، فَإِنْ سَلِمَتْ مِنْ الرِّيَاءِ لِلْخَلْقِ كَانَتْ الْآفَةُ مِنْ جِهَةِ تَعَلُّقِهَا بِمِثْلِ هَذَا الْفِعْلِ وَإِدْلَالِهَا فِي الْبَاطِنِ بِهِ، فَهَذِهِ مُخَاطَرَةٌ قَالَ وَرُبَّمَا قَالَ بَعْضُ الْجُهَّالِ هَذَا صَدٌّ عَنْ الْخَيْرِ وَالزُّهْدِ وَلَيْسَ كَذَلِكَ، فَإِنَّ الْحَدِيثَ قَدْ صَحَّ عَنْ النَّبِيِّ ﷺ أَنَّهُ قَالَ: «كُلُّ عَمَلٍ لَيْسَ عَلَيْهِ أَمْرُنَا فَهُوَ رَدٌّ» .
وَلَا يَنْبَغِي أَنْ يَغْتَرَّ بِعِبَادَةِ فُلَانٍ وَلَا بِتَقْوَى فُلَانٍ، إلَى أَنْ قَالَ: أَصْلُ الْأُصُولِ الْعِلْمُ، وَأَنْفَعُ الْعِلْمِ النَّظَرُ فِي سِيَرِ الرَّسُولِ ﷺ وَأَصْحَابِهِ ﴿أُولَئِكَ الَّذِينَ هَدَى اللَّهُ فَبِهُدَاهُمُ اقْتَدِهِ﴾ [الأنعام: ٩٠] .
وَقَالَ فِي مَحَلٍّ آخَرَ مِنْ صَيْدِ الْخَاطِرِ: عَلَفُ النَّاقَةِ مُتَعَيَّنٌ لِقَطْعِ الْمَنْزِلِ، أَلَا تَرَى إلَى سُفْيَانَ الثَّوْرِيِّ، فَإِنَّهُ كَانَ شَدِيدَ الْمَعْرِفَةِ، وَالْخَوْفِ وَكَانَ يَأْكُلُ اللَّذِيذَ وَيَقُولُ: إنَّ الدَّابَّةَ إذَا لَمْ يُحْسِنْ إلَيْهَا لَمْ تَعْمَلْ. قَالَ: وَلَعَلَّ بَعْضَ مَنْ يَسْمَعُ كَلَامِي هَذَا يَقُولُ هَذَا مَيْلٌ عَلَى الزُّهَّادِ فَأَقُولُ كُنْ مَعَ الْعُلَمَاءِ وَانْظُرْ إلَى طَرِيقِ الْحَسَنِ وَسُفْيَانَ، وَمَالِكٍ وَأَبِي حَنِيفَةَ وَأَحْمَدَ وَالشَّافِعِيِّ وَهَؤُلَاءِ أُصُولُ الْإِسْلَامِ وَلَا تُقَلِّدْ فِي دِينَك مَنْ قَلَّ عِلْمُهُ، وَإِنْ قَوِيَ زُهْدُهُ وَاحْمِلْ أَمْرَهُ عَلَى أَنَّهُ كَانَ يُطِيقُ هَذَا وَلَا تَقْتَدِ بِهِمْ فِيمَا لَا تُطِيقُهُ فَلَيْسَ أَمْرُنَا إلَيْنَا وَالنَّفْسُ وَدِيعَةٌ عِنْدَنَا.
وَقَالَ فِي مَوْضِعٍ آخَرَ مِنْ الْكِتَابِ الْمَذْكُورِ: وَأَمَّا الْمَطْعَمُ فَالْمُرَادُ بِهِ تَقْوِيَةُ هَذَا الْبَدَنِ لِخِدْمَةِ اللَّهِ ﷿، وَحَقٌّ عَلَى ذِي النَّاقَةِ أَنْ يُكْرِمَهَا لِتَحْمِلَهُ. وَقَدْ كَانَ النَّبِيُّ ﷺ يَأْكُلُ مَا وَجَدَ، فَإِنْ وَجَدَ اللَّحْمَ أَكَلَهُ وَيَأْكُلُ لَحْمَ الدَّجَاجِ، وَأَحَبُّ الْأَشْيَاءِ إلَيْهِ الْحَلْوَى، وَالْعَسَلُ، وَمَا نُقِلَ عَنْهُ أَنَّهُ امْتَنَعَ مِنْ مُبَاحٍ قَالَ: وَجِيءَ عَلِيٌّ ﵁ بِفَالُوذَجٍ فَأَكَلَ مِنْهُ، وَقَالَ: مَا هَذَا؟ قَالُوا: يَوْمَ النَّيْرُوزِ فَقَالَ: نَوْرِزُونَا كُلَّ يَوْمٍ، وَإِنَّمَا يُكْرَهُ الْأَكْلُ فَوْقَ الشِّبَعِ، وَاللُّبْسُ عَلَى وَجْهِ الِاخْتِيَالِ، وَالْبَطَرِ.
وَقَدْ اقْتَنَعَ أَقْوَامٌ بِالدُّونِ مِنْ ذَلِكَ؛ لِأَنَّ الْحَلَالَ الصَّافِيَ لَا يَكَادُ يُمْكِنُ فِيهِ تَحْصِيلُ الْمُرَادِ وَإِلَّا فَقَدْ لَبِسَ النَّبِيُّ ﷺ حُلَّةً اُشْتُرِيَتْ بِسَبْعَةٍ وَعِشْرِينَ بَعِيرًا.

2 / 134