Gharāʾib al-Qurʾān wa Raghāʾib al-Furqān
غرائب القرآن و رغائب الفرقان
والتنوير هو طلوع الفجر الصادق بحيث لا يشك فيه وذلك مما لا نزاع فيه ، وإنما النزاع فيما إذا تحقق دخول الوقت ثم تكاسل المكلف وتثاقل أو بغير أسباب الصلاة تشاغل. ( ومن حيث خرجت ) ومن أي بلد خرجت يا محمد ( فول وجهك شطر المسجد الحرام ) إذا صليت ( وإنه ) وإن هذا المأمور به ( للحق ) الذي يجب أن يقبل ويعمل به حال كونه ( من ربك وما الله بغافل عما تعملون ) وعد للمتشاغلين ووعيد للمتغافلين. واعلم أن أمر التولية ذكره الله تعالى ثلاث مرات ، وللعلماء في سبب التكرير أقوال :
أولها : أن الآية الأولى محمولة على أن يكون المكلف حاضر المسجد الحرام ، والثانية على أن يكون غائبا عنه ولكن يكون في البلد ، والثالثة على أن يكون خارج البلد في أقطار الأرض ، فقد يمكن أن يتوهم للقريب من التكليف ما ليس للبعيد فأزيل ذلك الوهم.
وثانيها : أنه نيط بكل واحد ما لم ينط بالآخر ، وذلك أنه أكد الأول بأن أهل الكتاب يعلمون حقيته بشهادة التوراة والإنجيل ، وأكد الثاني بإخبار الله تعالى عن حقيته وكفى به شهيدا ، وأتبع الثالث غرض التحويل وهو قوله ( لئلا يكون للناس عليكم حجة ) كما أن قوله ( فبأي آلاء ربكما تكذبان ) وأمثال ذلك تكرر حيث نيط بكل منها فائدة.
وثالثها : أن الآية الأولى توهم أن التحويل إنما فعل رضا للنبي صلى الله عليه وسلم وطلبا لهواه حيث قال ( فلنولينك قبلة ترضاها ) فأزيل الوهم بتكرار الأمر وتعقيبه بقوله ( وإنه للحق من ربك ) أي نحن ما حولناك إلى هذه القبلة بمجرد رضاك وهواك كقبلة اليهود والمنسوخة التي إنما يقيمون عليها بمجرد الهوى والتشهي ، ولكنها حق من ربك بعد أنها وافقت رضاك ، وفي الثالثة بيان الغرض.
ورابعها : أن الأولى لتعميم الأحوال والثانية لتعميم الأمكنة ، والثالثة لتعميم الأزمنة إشعارا بأنها لا تصير منسوخة البتة.
وخامسها : الزم هذه القبلة فإنها التي كنت تهواها ، الزم هذه القبلة فإنها قبلة الحق لا قبلة الهوى. الزم هذه القبلة فبها ينقطع عنك حجج العدا وهذا قريب من الثالث.
وسادسها : هذه الواقعة أولى الوقائع التي ظهر النسخ فيها في شرعنا فدعت الحاجة إلى التكرير لمزيد التأكيد والتقرير.
وسابعها : قلت : الآية الأولى مشتملة على تكليف خاص بالنبي صلى الله عليه وسلم ( فلنولينك قبلة ترضاها فول وجهك شطر المسجد الحرام ) ثم على تكليف عام له ولأمته ( وحيث ما كنتم
Page 435