Gharāʾib al-Qurʾān wa Raghāʾib al-Furqān
غرائب القرآن و رغائب الفرقان
يهيجوا قتالا وفتنة. وأيضا القليل منهم كان يقاوم الكثير من المشركين ( إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مائتين ) [الأنفال : 65] وأيضا جعل الصابر إلى القوة قويا ليظهره على الدين كله. وقيل : المراد بالعفو والصفح حسن الاستدعاء واستعمال ما يلزم فيهم من النصح والإشفاق وترك التشدد ، وعلى هذا لا تكون الآية منسوخة. وكذا لو قيل : المراد بأمر الله قتل بني قريظة وإجلاء بني النضير وإذ لا لهم بضرب الجزية عليهم ( إن الله على كل شيء قدير ) فهو يقدر على الانتقام منهم ( وأقيموا الصلاة ) تنبيه على أنه كما يلزمهم لحظ حال غيرهم بالعفو والصفح ، كذلك يلزمهم لحظ أنفسهم بأداء الواجبات من خير من حسنة صلوات أو صدقة فريضة أو تطوع ، فعمم بعد ما خص تنبيها على أن الثواب لا يختص بالواجبات بل بها وبغيرها من الطاعات ، ولا بد من إضمار أي تحدوا ثوابه ، لأن وجدان عين تلك الأشياء غير مطلوب ( إن الله بما تعملون بصير ) لا يخفى عليه شيء من الأعمال وفيه ترغيب للمحسن وترهيب للمسيء ( وقالوا لن يدخل الجنة ) نوع آخر من تخليط أهل الكتاب اليهود والنصارى والضمير في ( وقالوا ) لهم والمعنى وقالت اليهود لن يدخل الجنة إلا من كان هودا وقالت النصارى لن يدخلها إلا من كان نصارى ، فضم بين القولين ثقة بأن السامع يرد إلى كل فريق ما قاله لما علم من تكفير كل واحد منهما صاحبه ومثله ( وقالوا كونوا هودا أو نصارى تهتدوا ) [البقرة : 135] والهود جمع هائد كبازل وبزل وعائذ وعوذ ، والعائذ الحديثة النتاج من النوق ، والبازل الذي خرج نابه ، ووحد اسم «كان» حملا على لفظ «من» وجمع خبره حملا على المعنى ومثله ( فله أجره عند ربه ولا خوف عليهم ) [البقرة : 112] ( تلك أمانيهم ) على حذف المضاف أي أمثال تلك الأمنية أمانيهم ، يريد أن أمانيهم جميعا في البطلان مثل هذه وهي قولهم ( لن يدخل الجنة ) أو أشير بتلك إلى أن ودادتهم أن لا ينزل على المؤمنين خير من ربهم أمنية ، وودادتهم أن يردوهم كفارا أمنية ، وقولهم ( لن يدخل الجنة ) أمنية أي تلك الأماني الباطلة أمانيهم ، وقوله ( قل هاتوا برهانكم ) متصل بقوله ( لن يدخل الجنة إلا من كان هودا أو نصارى ) و ( تلك أمانيهم ) اعتراض على هذا. وهات الشيء اسم فعل معناه أعط ، ويتصرف فيه بحسب المأمور هات ، هاتيا ، هاتوا ، هاتي ، هاتين ، وقيل : الصحيح أنه ليس باسم فعل وإنما الهاء فيه مبدلة من الهمزة ، وأصله آت من الإيتاء. برهانكم حجتكم على اختصاصكم بدخول الجنة ( إن كنتم صادقين ) في دعواكم ، وفيه دليل واضح على أن المدعي نفيا أو إثباتا لا بد له من برهان وإلا فدعواه باطلة.
من ادعى شيئا بلا شاهد
لا بد أن تبطل دعواه
Page 367