349

Gharāʾib al-Qurʾān wa Raghāʾib al-Furqān

غرائب القرآن و رغائب الفرقان

منه فليس مني ومن لم يطعمه فإنه مني ) [البقرة : 942] ويقال : هذه الواقعة كانت في زمان إدريس لأنهما إذا كانا ملكين نزلا بصورة البشر لهذا الغرض ، فلا بد من رسول في وقتهما ليكون ذلك معجزة له ، ولا يجوز كونهما رسولين لأن رسول الإنس ثبت أنه لا يكون إلا منهم.

قوله تعالى ( وما يعلمان ) أي وما يعلم الملكان أحدا حتى ينهياه وينصحاه ويقولا له ( إنما نحن فتنة ) ابتلاء واختبار من الله ( فلا تكفر ) بأن تتعلمه معتقدا له أنه حق أو متوصلا به إلى شيء من المعاصي والأعراض العاجلة ( فيتعلمون ) الضمير لما دل عليه العموم في ( من أحد ) أي فيتعلم الناس من الملكين ( ما يفرقون به بين المرء وزوجه ) إما لأنه إذا اعتقد أن السحر حق كفر فبانت منه امرأته ، وإما لأنه يفرق بينهما بالتمويه والاحتيال كالنفث في العقد ونحو ذلك مما يحدث الله عنده الفرك والنشوز ابتلاء منه ، لا أن السحر له أثر في نفسه بدليل قوله ( وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله ) بإدارته وقدرته ، لأن إن شاء أحدث عند ذلك شيئا من أفعاله وإن شاء لم يحدث ، وكان الذي يتعلمونه منهما لم يكن مقصورا على هذه الصورة ، ولكن سكون المرء وركونه إلى زوجه لما كان أشد خصت بالذكر ليدل بذلك على أن سائر الصور بتأثير السحر فيها أولى وقرأ الأعمش ( وما هم بضارين به من أحد ) فجعل الجار جزءا من المجرور وهو «أحد» وأضاف إلى المجموع وفصل بينهما بالظرف. ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم لأنهم يستعملونه في وجوه المفاسد ( ولقد علموا ) علم هؤلاء اليهود اللام فيه للابتداء وكذا في ( لمن اشتراه ) استبدل ما تتلو الشياطين واختاره على كتاب الله ( ما له في الآخرة من خلاق ) من نصيب كأنه قدر له هذا المقدار ، وقيل : الخلاق الخلاص. وقيل معنى الآية أن الملكين إنما قصدا بتعليم السحر الاحتراز عنه ليصل بذلك الاحتراز إلى منافع الآخرة ، فلما استعمل السحر للدنيا فكأنه اشترى بمنافع الآخرة منافع الدنيا ( ولبئس ما شروا به أنفسهم ) أي باعوها والمخصوص محذوف وهو السحر أو منافع الدنيا ، وجواب «لو» محذوف يدل عليه ما قبله أي لو كانوا يعلمون لعلموا قبح ما شروا. ويجوز أن يكون «لو» للتمني مجازا كما تقدم من الترجي في ( لعلكم تتقون ) وحينئذ لا يحتاج إلى الجواب. بقي هاهنا سؤال وهو أنه كيف أثبت لهم العلم أولا في قوله ( ولقد علموا ) على سبيل التوكيد بالقسم إجمالا ثم نفاه عنهم في قوله ( لو كانوا يعلمون )؟ فإن «لو» لامتناع الثاني لامتناع الأول ، وكذا لو كان للتمني فإن التمني استدعاء أمر هو كالممتنع. والجواب أن الذين علموا غير الذين لم يعلموا ، فالذين علموا هم الذين علموا السحر ودعوا الناس إلى تعلمه ونبذوا كتاب الله وراء ظهورهم ، والذين لا يعلمون هم الجهال الذين يرغبون في تعلم السحر. سلمنا أن القوم واحد ، ولكنهم علموا

Page 351