403

ومنهم من زعم أنها احترقت كتبه، فمن كتب عنه قبل ذلك مثل ابن المبارك، وعبد الله بن يزيد المقري، أصح من الذين كتبوا بعدما احترقت الكتب، وهذا غير مسلم، فقد ذكر ابن أبي حاتم بسنده عن أحمد بن سنبويه، قلت لأبي الأسود النضر بن عبد الجبار: أكان لابن لهيعة كتب؟ قال: ما علمت.

وفيها: ثنا عبد الرحمن، حدثني أبي ، نا محمد بن يحيى بن حسان قال: سمعت أبي يقول: ما رأيت أحفظ من ابن لهيعة بعد هشيم، قلت له: إن الناس يقولون: احترق كتب ابن لهيعة، قال: ما غاب له كتاب.

هذا وفي أول ترجمته أنه روى عنه ابن المبارك، وابن وهب، والمقري، فلعل هذا هو الباعث على دعاية الاحتراق، فأرادوا تبرير سماع ابن المبارك ونحوه، بأنه كان قبل احتراق الكتب، والراجح أنه كذب لهذا الغرض، والذي يظهر من كلام أبي زرعة أنه لا يعول على ذلك، حيث حكى عنه ابن أبي حاتم أنه قال: أوله وآخره سواء، أراد أنه ضعيف في الأول والآخر، ثم قال: إلا أن ابن المبارك وابن وهب كانا يتتبعان أصوله فيكتبان منه، وهؤلاء الباقون كانوا يأخذون من الشيخ. فهذه طريقة ثالثة لتحسين أخذ إمامهم ابن المبارك عنه، وهي تدل على عدم اختلاف حالته بسبب عارض، كما يزعم بعضهم لاحتراق كتبه أو لكبره، كما تدل على أنه لا يتعمد الكذب، وإنما ضعفه أبو زرعة بناء على زعم قلة حفظه، لأنه لو كان يكذب عمدا لما كان فرق بين الأصول وغيرها.

هذا وقد حاولوا الاستدلال على ضعفه برواية ذكرها ابن أبي حاتم، عن عبد الرحمن بن مهدي أنه قال: لا تحمل عنه قليلا ولا كثيرا، كتب إلي ابن لهيعة كتابا فيه: ثنا عمرو بن شعيب، فقرأته على ابن المبارك فأخرج إلي ابن المبارك من كتابه عن ابن لهيعة، فإذا حدثني إسحاق بن أبي فروة، عن عمرو بن شعيب. انتهى.

قلت: أكثر ما في هذا أنه يحمل على الغلط، وأن ابن لهيعة ظن هذا الرواية من جملة ما سمعه من عمرو بن شعيب، ونسي أنه إنما سمعها من إسحاق عن عمرو بن شعيب، وأي عيب في أن يغلط من يحفظ الآلاف من الحديث غلطة أو غلطات وخصوصا في مثل هذا، وقد تأولوا لعكرمة بن عمار في رواية منكرة ذكرناها فيما مر، وحملها بعضهم على الغلط ولم يجرحوه بها، فلماذا يتعنتون في ابن لهيعة وأمثاله من رواة الفضائل ؟!

Page 408