Ghamz ʿuyūn al-baṣāʾir sharḥ kitāb al-ashbāh waʾl-naẓāʾir (Li-Zayn al-ʿĀbidīn Ibn Nujaym al-Miṣrī)
غمز عيون البصائر شرح كتاب الأشباه والنظائر ( لزين العابدين ابن نجيم المصري )
Publisher
دار الكتب العلمية
Edition
الأولى
Publication Year
١٤٠٥هـ - ١٩٨٥م
. . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . . .
ــ
[غمز عيون البصائر]
الْقَائِلِينَ بِحُرْمَةِ مَا اسْتَقْبَحَهُ الْعَقْلُ؛ لِأَنَّهُ عِنْدَهُمْ مُوجِبٌ عَلَى الْقَطْعِ وَالْبَتَاتِ وَحَاكِمٌ بِالْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَمُقْتَضٍ لِلْمَأْمُورِيَّةِ والممنوعية شَرْعًا وَإِنْ لَمْ يُرِدْ كَمَا أَنَّهُ يَحْكُمُ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى بِوُجُوبِ الْأَصْلَحِ، وَحُرْمَةِ تَرْكِهِ عِنْدَهُمْ. وَلَيْسَ لَهُ أَنْ يَعْكِسَ الْقَضِيَّةَ إلَّا أَنَّهُ قَدْ يَسْتَقِلُّ كَمَا فِي حُسْنِ الْعَدْلِ وَقُبْحِ الظُّلْمِ، وَقَدْ لَا يَسْتَقِلُّ كَمَا فِي حُسْنِ صَوْمِ يَوْمِ الْأَخِيرِ مِنْ رَمَضَانَ وَقُبْحِ صَوْمِ الْعِيدِ، لِأَنَّ الشَّرْعَ لَمَّا وَرَدَ بِحُسْنِ الْأَوَّلِ وَقُبْحِ الثَّانِي عِلْمنَا أَنَّهُ لَوْلَا اخْتِصَاصُ كُلٍّ مِنْهُمَا بِشَيْءٍ لِأَجْلِهِ حُسْنٌ وَقُبْحٌ لَمَا وَرَدَ الشَّرْعُ بِهِ فَالْعَقْلُ مُثْبِتٌ فِي الْكُلِّ وَالشَّرْعُ مُبَيِّنٌ فِي الْبَعْضِ. وَأَمَّا عِنْدَ الْحَنَفِيَّةِ فَالْعَقْلُ آلَةٌ لِمَعْرِفَةِ الْحُسْنِ وَالْقُبْحِ لَا مُوجِبَ لَهُمَا وَحَاكِمٌ بِهِمَا وَإِلَّا لَمَا جَازَ وُرُودُ النُّسَخِ عَلَيْهِمَا؛ لِأَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ الْفِعْلِيَّيْنِ لَا يَرِدُ عَلَيْهِمَا التَّبْدِيلُ، فَالْحَاكِمُ وَالْمُوجِبُ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى مِنْ أَنْ يَحْكُمَ عَلَيْهِ غَيْرُهُ فَالشَّرْعُ مُثْبِتٌ فِي الْكُلِّ وَالْعَقْلُ مُبَيِّنٌ فِي الْبَعْضِ فَلَهُ حَظٌّ فِي مَعْرِفَةِ حُسْنِ بَعْضِ الْمَشْرُوعَاتِ، كَالْإِيمَانِ وَأَصْلِ الْعِبَادَاتِ وَالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ فَيَثْبُتُ بِهَذَا أَنَّ الْأَمْرَ دَلِيلٌ وَمُعَرِّفٌ لِمَا ثَبَتَ حُسْنُهُ فِي الْعَقْلِ وَمُوجِبٌ لِمَا لَمْ يُعَرَّفْ بِهِ.
وَأَمَّا عِنْدَ الْأَشَاعِرَةِ فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ شَرْعِيَّانِ بِمَعْنَى أَنَّهُ لَا حَظَّ لِلْعَقْلِ فِي مَعْرِفَتِهِمَا، أَيْ الْعَقْلُ قَبْلَ وُرُودِ الشَّرْعِ لَا يُعَرِّفُ مَا يَنْبَغِي أَنْ يَكُونَ مَأْمُورًا بِهِ أَوْ مَنْهِيًّا عَنْهُ شَرْعًا. فَالشَّرْعُ هُوَ الْمُثْبِتُ لِلْحُسْنِ وَالْقُبْحِ وَلَوْ عَكَسَ الْقَضِيَّةَ فَحُسْنُ الشَّرْعِ مَا أَقْبَحَهُ الْعَقْلُ وَبِالْعَكْسِ، لَمْ يَكُنْ مُمْتَنِعًا، فَالْحُسْنُ وَالْقُبْحُ إنَّمَا يُعْرَفَانِ بِالْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، فَيَكُونُ الْحُسْنُ وَالْقُبْحُ ثَابِتَيْنِ بِنَفْسِ الْأَمْرِ وَالنَّهْيِ، لَا أَنَّهُمَا دَلِيلَانِ عَلَى حُسْنٍ وَقُبْحٍ سَبَقَ ثُبُوتُهُمَا بِالْعَقْلِ هَكَذَا فُهِمَ تَقْرِيرُ الْمَذَاهِبِ الثَّلَاثَةِ.
وَالتَّفْرِقَةُ بَيْنَهَا مِنْ عِبَارَةِ الْمِيزَانِ وَغَيْرِهِ مِنْ الْمُتُونِ وَالشُّرُوحِ وَبِمَا قَرَرْنَاهُ عُلِمَ أَنْ لَا خِلَافَ بَيْنَ الْعُلَمَاءِ فِي أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ بِمَعْنَى مُلَاءَمَةِ الطَّبْعِ وَمُنَافَرَتِهِ كَالْحُلْوِ وَالْمُرِّ، وَمَعْنَى كَوْنِ الشَّيْءِ صِفَةَ كَمَالٍ وَصِفَةَ نُقْصَانٍ كَالْعِلْمِ وَالْجَهْلِ عَقْلِيَّانِ وَإِنَّمَا الْخِلَافُ فِي كَوْنِ الشَّيْءِ مُعَلَّقُ الْمَدْحِ فِي الْعَاجِلِ وَالثَّوَابِ فِي الْآجِلِ وَمُتَعَلِّقُ الذَّمِّ فِي الْعَاجِلِ وَالْعِقَابِ فِي الْآجِلِ، كَالْعِبَادَةِ وَالْمَعَاصِي شَرْعِيَّانِ أَوْ عَقْلِيَّانِ وَلَا خِلَافَ أَيْضًا فِي أَنَّ الْحُسْنَ وَالْقُبْحَ مَعْرُوفَانِ شَرْعًا لِكُلِّ مَأْمُورٍ وَحَسَنٍ اتِّفَاقًا ضَرُورَةَ أَنَّ الْآمِرَ حَكِيمٌ وَهُوَ لَا يَأْمُرُ بِالْقَبِيحِ، وَهَذَا نُبَذٌ مِمَّا أَطْنَبُوا فِي هَذَا الْمَقَامِ الَّذِي حَارَتْ أَفْكَارُ الْمُتَكَلِّمِينَ فِي مُلَاحَظَتِهِ وَثَابَرَتْ أَنْظَارُ الْمُتَفَكِّرِينَ فِي غَوَامِضِهِ تَنْبِيهًا عَلَى الْمِقْدَارِ الَّذِي يَسْتَدْعِي الْمَقَامُ بَيَانَهُ وَيَقْتَضِي الشَّرْعُ فِيهِ تِبْيَانَهُ.
2 / 186