999

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

فصلت في اللوح أسرارا متوجة . . . قد كان أجملها الرحمن في النون من هذا المنزل قيدت جزأ سميته الفناء في المشاهدة فلنذكر الآن ما يتضمنه هذا المنزل على ما يحوي عليه من الأصول فإن البسط فيه يطول فاعلم أن مظهر هذا المنزل أسمه النور ولكن الأنوار على قسمين نور ما له شعاع ونور شعشعاني فالنور الشعشعاني أن وقع فيه التجلي ذهب بالأبصار وهو الذي أشار إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حين قيل له يا رسول الله هل رأيت ربك فقال صلى الله عليه وسلم نور إني أراه يقول نور كيف أراه يريد النور الشعشعاني فإن تلك الأشعة تذهب بالأبصار وتمنع من أدراك من تنشق منه تلك الأشعة وهو أيضا الذي أشار إليه صلى الله عليه وسلم بقوله أن لله سبعين حجابا من نور وظلمة لو كشفها لأحرقت سبحات وجهه ما أدركه بصره من خلقه والسبحات هنا هي أنوار حقيقته فإن وجه الشيء حقيقته وأما النور الذي لا شعاع له فهو النور الذي يكون فيه التجلي ولا شعاع له ولا يتعدى ضوؤه نفسه ويدركه المبصر في غاية الجلاء والوضوح بلا شك وتبقى الحضرة التي يكون فيها هذا الذي كشفت له في غاية من الوضوحلا يغيب عنه منها شيء في غاية الصفاء وفي هذا التجلي يقول النبي صلى الله عليه وسلم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر فمن بعض ما يريد بهذا التشبيه الذي وقع بالرؤية أدراك ذات القمر لضعف أشعة القمر أن يمنع البصر من أدراك ذاته والصحيح في ذلك أنه يريد إذا كسف ليلة بدره فإنه عند ذلك يدرك البصر ذات القمر التي لا تقبل الزيادة ولا النقصان فهو أدراك محقق لذات القمر ثم قال في نفس الحديث أو كما ترون الشمس بالظهيرة ليس دونها سحاب وفي ذلك الوقت يكون نورها أقوى فتظهر الأشياء كلها بها فيدرك البصر كلما وقع عليه من الأشياء أدراكه حين كشفت له هذه الشمس وإذا أراد أن يحقق النظر إلى ذات الشمس في هذه الحالة لا يقدر فأوقع التشبيه أن هذا التجلي ليس يمنع أن يرى الناس بعضهم بعضا أي لا يفنى فلهذا أوقع التشبيه برؤية القمر ليلة البدر وبرؤية الشمس وما أقتصر على واحد منهما وأكد البقاء في هذا المشهد بقوله لا تضارون ولا تضامون من الضيم والضم الذي هو المزاحمة ومن الضير والأضرار ولما دخلت هذا المنزل وقع لي فيه التجلي في النور الذي لا شعاع له فرأيته علما ورأيت ورأيت نفسي به ورأيت جميع الأشياء بنفسي وبما تحمله الأشياء في ذواتها من الأنوار التي تعطيها حقائقهم لا من نور زائد على ذلك فرأيت مشهدا عظيما حسيا لا عقليا وصورة حقية لا معنى ظهر في هذا التجلي أتساع الصغير لدخول الكبير فيه مع بقاء الصغير على صغره والكبير على كبره كالجمل يلج في سم الخياط يشاهد ذلك حسا لا خيالا وقد وسعه ولا تدري كيف ولا تنكر ما تراه فسبحان من تعالى عن أدراك ما تكيفيه العقول وفضل أدراك البصر عليها لا أله ألا هو العزيز الحكيم فأظهر عجز العقول بهذا التجلي الذي أظهر به قوة الأبصار وفضلها على العقول وأظهر في تجليه في النور الشعشعاني عجز الأبصار وقوة العقول وفضلها على الأبصار ليتصف الكل بالعجز وينفرد الحق بالكمال الذاتي فمن عاين هذا المنزل يرى من العجائب والآيات ما لا يمكن أن يحويه غيره وأول هذا المنزل عند دخولك فيه ترى نفسك مظهر اللحق فإذا رأيته تتحقق من نفسك أنه ليس هو وهو آخر هذا المنزل فيتضمن أوله هو مشاهدة ويخاطبك في هذا التجلي بأنه ليس بأنه ليس هو فإنه من التجليات التي لا تفنى عين المشاهدة فتجمع بين الرؤية والخطاب وآخر هذا المنزل يتضمن الهو وهو في الغيب من غير رؤية وهو متعلق نظر العقل فأول هذا المنزل بصرى وآخره عقلي وما بينهما وهذا منزل يتضمن أيضا ما نذكره فاعلم أن الأسرار التي يمحها الحق عبده من أهل هذه الطريقة على قسمين منها أسرار تعطيك بذاتها أن تظهرها في الأكوان من غير حرج في ذلك عليك ولا تحتاج في إظهاره إلى إذن إلهي فإن أظهرته عن غير إذن قوبلت ووقع الحرج والجناح عليك في اظهاره وقد وقع لي مثل هذا ولكن بحمد الله قوبلت بالعتاب لا بالعقاب رحمة من الله بي عناية وأسرار أخر لا يعطيها الحق لأحد بواسطة فلو طلبت الأذن فيها إذا أطلعك الحق عليها أن توصلها ما أذن لك فإنها أذواق لا تعرفها من غيرك بمجرد العبارة عنها فإنها مما ينفرد الحق بأيسا لها من الحق إلى العبد كما يفعل بالأحوال فلو رام أحد أن يعبر عن الشوق الذي يجده إلى من اشتاق إليه ما أطاق ذلك ولا وصل إلى فهم الآخر منه شئ إلا أن يقوم الشوق به مثل ما قام بصاحبه فيعرف عند ذلك حقيقة مسمى هذا اللفظ وكذلك ما في معناه وكلذة الجماع التي حرمها العنين لا يتمكن لمن قامت به أن يوصلها بالتعريف إلى العنين وكذلك كل علم يتعلق بالحواس لا يمكن للعقل أن يصل إلى معرفته بنفسه ولا بالعبارة عنه إلا أن يحس به الآخر فالذي يختص بهذا المنزل معرفة الأسرار التي يتوقف اظهارها ممن قامت به وأعطيته على الأذن الإلهي ومعرفة الأسرار الإلهية المستورة خلف حجاب الصور التي لا تظهر إلا لمن كان على بينة من ربه في ذلك فإذا شهدت البينة لها عند العبد قبلها فلا يحتاج إلى شاهد مثل ما يحتاج في غيرها فإذا حصل العبد في هذا المقام ووهبه الحق من هذه الأسرار وهب تجل واطلع على أمور غامضة من العلم بالله سترها في نفسه وكتمها عن غيره وفاء بحق الأمانة وحفظها ومعرفة بقدرها ومنزلتها ويطلع على هذه الأسرار معنا من ينسب بعض الأفعال إلى غير الله من المعتزلة والفلاسفة وأهل الشرك الذين عبدوا غير الله مع عبادة الله فقد ينفردون في أوقات مع الله دون الشريك وذلك في أوقات الضرورات المهلكة التي يقطعون فيها أن آلهتهم لا تغني عنهم فيها شيأ فيلجؤن إلى الله في رفعها فمن تلك الحقيقة المستورة فيهم في حال لا يكون فيه تحت اضرار حسي من ذلك الوجه ينالون هذه الأسرار كانوا أشقياء فإن نيلهم إياها مما يزيد في شقاوتهم حيث عرفوا من بيده الإقتدار وعدلوا عنه وعملوا لغيره مما نصبوه بأيديهم وأيدي من هو من جنسهم إلها وظهر لهم عجزه وتمادوا على غيهم كما قال تعالى ' في طغيانهم يعمهون ' واعلم أن بينة الله في عباده على قسمين القسم الواحد هو البينة الحقيقية وهو قوله تعالى ' أفمن كان على بينة من ربه ' يعني في نفسه وأما من تقام له البينة في غيره فقد يمكن أن يقبلها ويمكن أن لا يقبلها والذي يقبلها أن قبلها تقليدا لم تكن في حقه آية بينة ولا تنفعه وإنما يكون التقليد فيما يجئ به الرسول من الأحكام لا من البينات والشواهد على صدقه وإن لم يقبلها تقليدا فما قبلها إلا أن يكون هو على بينة من ربه في أن تلك آية بينية على صدق دعوى من ظهرت على يديه فيما ادعاه فعلمت من هذا أن الشئ لا ينفعك إلا إذا كان فيك ولا يضرك إلا إذا كان فيك ولهذا نقول في كثير من كلامنا أن حقيقة العذاب هو وجود الألم فيك لا أسبابه سواء وقعت الأسباب فيك أو في غيرك فلا تقول في الأشياء إلا أن تقوم لك منك وأقلها أن يقول بك التصديق بما يتحقق به أهل طريق لله بأنه حق وإن لم تذقه ولا تخالفهم فتكون على بينة من ربك ولا بد في كونهم صادقين وبتلك البينة التي أنت عليها توافقهم في ذلك فإنت منهم في مشربهم فإنهم أيضا ممن يوافق بعضهم بعضا فيما يتحققون به في الوقت وإن كان لا يدرك هذا ذوقا ما أدركه صاحبه فيقر له به ويسلمه له مولا ينكره لأرتفاع التهمة ومجالسة هؤلاء إلا قوام لغير المؤمن بهم خطر عظيم وخسران مبين كما قال بعض السادة وأظنه رويما من قعد معهم وخالفهم في شئ مما يتحققون به سرائرهم نزع الله نور الايمان من قلبه فلا يزال الإنسان على الحالة التي هو عليها حتى يقوم له الشاهد بالخروج عنها فمن كان في حالة الكتم كتم ومن كان في حالة الإظهار أظهر وأفشى قل كل يعمل على شاكلته فربكم أعلم بمن هو أهدى سبيلا فيما هي بسبيله وإن لم يكن ذلك ففي كونه على بينة من ربه كفاية فإن الشاهد إن لم يكن فيه المشهود له علىبينة في نفسه من ربه أنه صادق ولكن الحاكم يطالبه بالشاهد فإذا شهد الشاهد له علم المشهود له أنه صادق في شهادته ببينته التي هو عليها أنه على حق في دعواه وإن كان المدعي ليس بصادق في دعواه فالمدعي على بينة من نفسه ومن ربه إن ذلك الشاهد الذي شهد له زور وشهد بالباطل ولا يقبله في نفسه وإن قبله الحاكم فأول ما يتجرح شاهد الزور عند من شهد له بما يعلم المشهود له أن الأمر على خلاف ما شهد له به فلهذا قلنا أن الشاهد لا نلتزمه إذ كنا لا نقبله ولا نتحقق صدقه ولا كذبه إلا حتى يكون في ذلك على بينة من الله فاعلم ذلك واعلم بعد أن تقرر هذا أن الأمر الذي كنى عنه الحق بأنه بينية لك من عنده هو سفير من الله إلى قلبك من خفي غيوبه مختص بك من حضرة الخطاب الإلهي والتعريف من الله أنه من عنده فخذ به وانظر ما يقبله وما يدل عليه فاعتمد عليه وما ينفيه فإنفه كما يفعل صاحب الفكر في دليله غير أن صاحب الفكر قد يتخذ دليلا ما ليس بدليل في نفس الأمر وقد يتخذ دليلا ما هو دليل في نفس الأمر ولكن بالنظر إلى قوة العقل فقد أعطى ما في قوته فلا يكون أبدا من حيث هو عقل إلا أن ذلك دليل وهو دليل وصاحب البينة من ربه على نور من الله وصراط مستقيم لا يعلم الأشياء بها الأعلى ما تكون عليه الأشياء لا يقبل الشبه إلا شبها ذوقا من صورته لا يتمكن له أن يلبس فيها عليه بخلاف أصحاب الأفكار والذي يعطيه هذا السفير منه ما يعطيه ما هو مقيم وما ليس له بمقيم فالمقيم كالمقامات وغير المقيم كالأحوال ثم أن أصحاب هذا المقام يتفرقون فيه ويتنوعون على نوعين منهم من يعصم من تأثير هواه ومنهم من لا يعصم من تأثير هواه فيه مع أن كل واحد من الظائفتين على علم محقق فبينتهم التي هم عليها أنه معصوم وإن هواه ليس له عليه سبيل وأنه غير معصوم وأن هواه قد أثر فيه لما سبق في علم الله فيه وهل ينفعه هذا العلم عند الله في سعادته أم لا فعندنا أنه نافع وعند غيرنا أنه نافع وإنما وقع الخلاف في مثل هذه المسئلة بوجود الكشف عند الواجد وعدم الكشف عند المخالف مع الإستناد إلى أمر معارض أما عقلي وأما سمعي ثم أن الله تعالى أمر عباده بالإقامة على ما خلقهم له من الذلة والإفتقار إليه ببواطنهم عامة وبظواهرهم على طريقة مخصوصة بينها لهم الشارع وهي جميع الأفعال المقربة إلى الله سواء اقترنت بها في الصورة الظاهرة عزة أو ذلة وربوبية أو عبودية بخلاف الباطن فإن الباطن يجري على الأمر المحقق الذي هو في نفسه عليه والظاهر يجري على ما تقتضيه المصلحة في الوقت بك أو بغيرك فإن ظهر ربوبية وعزة في ظاهر العبد العارف كما ذكرناه لمصلحته فإن الميل في الباطن إلى الذلة والعبودية موجود عنده وهو المعتمد عليه وذلك عارض ولا سيما في موطن التكليف ومن هذا المنزل ينشئ العبد الأعمال صورا قائمة يكون فيها خلاقا بالفعل ولكن مما يقع له به السعادجة عند الله فلا يزال ينشئ تلك الصورة حتى يراها قائمة بين يديه حسا ينظر إليها ويفرح بها وجميع ما يظهر من تلك الصورة مما يقتضيه السعادة فإنما هو لمنشئ هذه الصورة وهو هذا العبد فهي له كرأس المال وما يكون عنها كالأرباح والأرباح إنما تعود منفعتها على رب المال لا على نفس المال ومن هذا المنزل أيضا يظهر الجود الذاتي الذي لا يمكن دفعه لا اختيار للعبد فيه فيعطي من نفسه لربه ما سأله فيه أن يعطيه مما لو لم يسأله فيه لأعطاه إياه وهذا من كرم الله حيث علم أنه لا بد أن يعطيه ذلك لأنه أمر تقتضيه ذاتك فسألك في ذلك أن يجازيك على امتثال أمره في ذلك كما شالك فيما يمكن أن تأناه فأجرى هذا مجرى هذا جودا منه وليقوم جزاء ما أعطيته عن أمره مما هو عطاء داني في مقابلة منعته وخالفت فيه أمره مما ليس هو عطاء ذاتيا بل امكانيا وهي جميع الأعمال المشروعة فلهذا أمرك بما لا يمكنك الإنفكاك عنه كما لا يمكن للسراج أن يمنع ضوءه ولكن يتصور أن يقال له أعط الأبصار ضوءك ليدركوا به الأشياء فتجازي من حيث ذلك وذلك أن تعلم أن حضرة كن تتضمن روحا وجسما وقد يرتبطان وقد لا يرتبطان فإذا ارتبطا كان هذا الجسم حيا على هذه الصورة من الكاف والواو والنون وإذا كان حيا انفعل عنه ما يتوجه عليه لأرتباط الروح به وهو الأذن الإلهي كالنفخ من عيسى عليه السلام في الطائرة مقارنا للإذان الإلهي الذي هو النفخ الإلهي فإندرج النفخ الأذني الإلهي الذي به حي الطائر وارتبط روحه في النفخ الجسماني القائم بعيسى فإذا وجد جسم كن من غير ارتباط الروح به لم يكن عنه شئ أصلا إذا الميت لا يضاف إليه فعل أصلا ولا يقوم لعقل فيه شبهة بخلاف الحي والصورة الجسمية فيهما واحدة وإذا انفرد روح كن دون جسميته انفعلت عنه الأشياء ومن جملة الأشياء جسمية كن الذي هو في عالم الحروف فإذا علمت ما أوضحناه لك في هذا الكلام وقفت على أمر عظيم من قوله تعالى ' إنما قولنا لشئ إذا أردناه أن نقوله له كن فيكون ' ذلك الأمر ولا بد ويقول الحق سبحانه لعباده في كلامه العزيز أقيموا الصلاة واصبروا وصابروا ورابطوا وجاهدوا ولا يقع شئ من ذلك لأنه قال لهم اخلقوا وليس من شأنهم أن يخلقوا فتعلق بهم جسم كن لأروحها فكانت ميتة يحرم عليهم استعمالها فإذا تعلق الأذن الإلهي الذي هو كن الحية بإيجاد عين الجهاد أو الرباط أو الصلاة أو أي شئ كان من أفعال العباد تكون في حين التوجه علينا وليس من شأن الأفعال أن تقوم بنفسها فكانت الصلاة تظهر في غير مصل والصيام في غير صائم والجهاد في غير مجاهد وهو لا يصح فلا بد من ظهورها في المجاهد والمصلى وغير ذلك فإذا ظهرت فيه نسب الله الفعل إليه وجازاه عليه منة منه وفضلا لأنه ما ظهر عين الصلاة إلا في المصلى فلو لم ينسب الفعل إليه لكان قدحا في الخطاب والتكليف ومباهتة للحس وكان لا يوثق بالحس في شيء فحسم الله هذا الأمر بما نسب من هذه الأفعال لمن أظهرها فيه وأضافها إليه وأمرهم بها وليس خلقها لهم وأنما ذلك إلى الله تعالى فإنظر ما أعجب هذا الأمر مع ما يتضمنه من التناقض المحقق والايمان بالطريقتين المتناقضتين فيه واجب والأطلاع عليه من باب الكشف مع وجود الايمان به تأييد عظيم وقوة لمن أعطي ذلك فإن في هذا الموطن زل كثير من أهل الكشف وهو قوله وأضله الله على علم والعلم كان لا ينبغي أن يصاحبه الضلال ولا يستلزمه وهنا قد وجد فيه ذلك فلا يخلو أما أن ضل بعلم أولا بعلم والأمر فيه أشكال ثم أن هذا المنزل يتضمن الجزاء على الأعمال يعني جزاء من ذكرناه في هذا المنزل من الكاتمين لأسرار الحق الذين أمنهم الله عليها مما لا يظهرونها ألا عن أذن إلهي ومن ذكرناه من الطوائف معهم فجزاؤهم الجلال والعظمة والهيبة وفي الدنيا الخوف والقبص والوحشة وفي الأحوال الأصطلام وفي المحبة الغليل والأشتياق والشوق والكمد والخشية والتحقق بذلك في كل موطن بحسب ذلك الموطن من الدوام وعدم الدوام ألا أنه في ظهور كونه لا يتخلله غفلة ولا فترة أصلا فإذا زال المقام زال الحال لزواله هذا جزاء من حفظ الأمانة ولم يظهرها ألا بأمر الله وجزاء من أظهرها بأذن الله الأقامة في جوار الله من إسمه الرب لا غيره من الاسماء ومعرفة العلوم التي تتعلق بمن هو تحت حيطته ودون منزلته لا بمن هو فوقه وأن هذه الحالة لهم دائمة والمقام لهم دائم في الدنيا والآخرة ولهم الجمال والأنس ومن الأحوال الرضا ومن المحبة الوصلة والتعانق والألتذاذ ثم المحبوب وضمه ومن خصائص هذا المنزل أن صاحبه لا يبذل المجهود من نفسه في أعماله بل أعماله دون قوته وطاقته ويقبل الله منه ذلك فإنه ممن أتقى الله حق تقاته ما هو ممن أتقى الله أستطاعته وصاحب هذا المقام لا يتصور منه أن يطلب من الحق ما لم يعطه مما هو جائز أن يحصل له ويمنعه من ذلك الحياء من الله حيث لم يبذل المجهود من نفسه فيما كلفه من الأعمال على جهة الندب فهو قانع بما أعطاه ربه ولا يجد حسرة فوت لما فاته مع علمه بما فاته لأن حاله الألتذاذ في ذلك الوقت بما هو فيه من النعيم وقد بينا أصول هذا المنزل والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

الباب السابع والثمانون ومائتان في معرفة منزل التجلي الصمداني وأسراره

من الحضرة المحمدية

شخص الزمان له نفس تدبره . . . غيدا معطرة من عالم الأمر

جيم وعين وفاء من منازلها . . . جاءت به رسله في محكم الذكر

لها صلاتان من علم الغيوب وما . . . للظهر والعصر ذاك الفخر والفجر

من أراد أن يقف على ما تضمنه هذا المنزل في التجلي الصمداني الذي هو خاص به من المعارف والحقائق والأسرار الضيائية وغيرها فليطالعه في باب القلب من كتاب مواقع النجوم لنا في علم هذا الطريق فلنذكر في هذا المنزل ما سوى ذلك مخافة التطويل فاعلم أن لهذا المنزل الإنابة وممن تحقق بها أبو يزيد البسطامي وهي الجمعية الذاتية ولا تكون للعارف من الله إلا عن شهود محقق من خلف حجاب مظهر بشري واعلم أن القوم قد اصطلحوا على ألفاظ لمعان قرروها في نفوسهم يخاطبون بها بعضهم بعضا كما فعلت كل طائفة فيما تنتحله من العلوم كالنحويين وأصحاب العدد والمهندسين والأطباء والمتكلمين والفقهاء وغيرهم فمما اصطلحت عليه هذه الطائفة الهوية والأنية والأنانية لأغراض في نفوسهم فهذا المنزل من ذلك منزل الأناية فالأنية هي عبارة عن الحقيقة من حيث الأحدية والأنانية التي هنا عبارة عن الحقيقة الأحدية التي هي عين الجمع فهذا منزل من منازل الغيوب لا ظهور له في الشهادة لكن المنازل التي في الغيب على ضربين منازل يكون عنها آثار في الشهادة يستدل بتلك الآثار عليها وإن كانت غيباسواء ورد بذلك التعريف الإلهي أو لم يرد من حيث الخطاب ومنازل لا يكون عنها في الشهادة أثر فلا تعرف إلا من طريق التعريف الإلهي أو ولا يتحقق تحقق منازل الآثار وهذه الأنانية من المنازل التي لها آثار في عالم الشهادة والملكوت وآثارها مختلفة وتتقيد باختلاف آثارها وإن كانت في نفسها مطلقة فتارة تتقيد باسم ضمير مثلها في الرتبة فتحتاج إلى تقييد آخر مثل قوله تعالى ' إنا أوحينا إليك ' فإنا والنون من أوحينا على مرتبة واحدة من حيث أحدية حقيقة الجمعية والتقييد لأنا الوحي والتقييد للنون من أوحينا ما يذكره بعده من قرآن أو روح أو غير ذلك وتارة لا يتقيد باسم ضمير مثل قولهم أنا بني فلان وكما قيل

Page 624