Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
إن المعارج للأرواح نسبتها . . . خلاف نسبة ما يسري به البصر قال تعالى ونحن أقرب إليه من حبل الوريد فوصف نفسه بالقرب من عباده والمطلوب بالقرب إنما هو أن يكون صفة العبد فيتصف بالقرب من الحق اتصاف الحق بالقرب منه كما قال ' وهو معكم أينما كنتم ' والرجال يطلبون أن يكونوا مع الحق أبدا في أي صورة تجلى وهو لا يزال متجليا في صور عباده دائما فيكون العبد معه حيث تجلى دائما كما لا يخلو العبد عن أينية دائما والله معه أينما كان دائما فأينية الحق صورة ما يتجلى فيها فالعارفون لا يزالون في شهود القرب دائمين لأنهم لا يزالون في شهادة الصور في نفوسهم وفي غير نفوسهم وليس إلا تجلي الحق وأما القرب الذيهو القيام بالطاعات فذلك القرب من سعادة العبد بالفوز منشقاوته وسعادة العبد في نيل جميع أغراضه كلها ولا يكون له ذلك إلا في الجنة وأما في الدنيا فإنه لا بد من ترك بعض أغراضه القادحة في سعادته فقرب العامة والقرب العام إنما هو القرب من السعادة فيطيع ليسعد وقرب العارفين ما ذكرناه فهو يتضمن السعادة وزيادة ولولا الاسماء الإلهية وحكمها في الأكوان ما ظهر حكم القرب والبعد في العالم فإن كل عبد في كل وقت لا بد أن يكون صاحب قرب من إسم إلهي صاحب بعد من إسم آخر لا حكم له فيه في الوقت فإن كان حكم ذلك الاسم الحاكم في الوقت المتصف بالقرب منه يعطى للعبد فوزا من الشقاء وحيازة لسعادته فذلك هو القرب المطلوب عند القوم وهو كل ما يعطي العبد سعادة وإن لم يعط ذلك فليس بقرب عند القوم وإن كان قربا من وجه آخر لا من حيث ما وقع عليه الإصطلاح أخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ربه في هذا الباب أن الله يقول ما تقرب المتقربون بأحب إلى من اداء ما افترضته عليهم ولايزال العبد يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه فإذا أحببته كنت له سمعا وبصرا ويدا ومؤيدا وقال سسبحانه في الخبر الصحيح من تقرب إلي شبر تقربت إليه ذراعا ومن تقرب إلي ذراعا تقربت منه باعا ومن أتاني يسعى أتيته هرولة وقال تعالى ' وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداع إذا دعان ' وقال في حق الميت ' ونحن أقرب إليه منكم ولكن لا تبصرون ' ومعناه عندنا لا تميزون يقول تبصرون ولكن لا تعرفون ما تبصرون فكأنكم لا تبصرون أعلم أن القرب من الله على ثلاثة انحاء قرب بالنظر في معرفة الله جهد الإستطاعة أصاب في ذلك أو أخطأ بعد بذل الوسع في الإجتهاد في ذلك فقد يعتقد المجتهد فيما ليس ببرهان أنه برهان فيحججازيه الله مجازاة أصحاب البراهين الصحيحة وقد نبه سبحانه على ما يفهم منه ما ذكرناه وهو قوله ومن يدع مع الله إلها آخر لا برهان له به وقد رأى بعض العلماء أن الإجتهاد يسوغ في الفروع والأصول فإن أخطأ فله أجر وإن أصاب فله أجران والنوع الآخر قرب بالعلم والنوع الثالث قرب بالعمل وينقسم على قسمين قرب بإداء الواجبات وقرب بالمندوبات في عمل الظاهر والباطن فأما قرب العلم فأعلاه توحيد الله في إلوهته فإنه لا إله إلا هو فإن كان عن شهود لا عن نظر وفكر فهو من أولى العلم الذين ذكرهم الله قوله ' شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم ' لأن الشهادة إن لم تكن عن شهود والأفلافإن الشهود لا يدخله الريب ةلا الشكوك وإن وحده بالدليل الذي أعطاه النظر فما هو من هذه الطائفة المذكورة فإنه ما من صاحب فكر وإن أنتج له علما إلا وقد يخطر له دخل في دليلة وشبهة في برهانه يؤديه ذلك إلى التحير والنظر في رد تلك الشبهة فلذلك لا يقوى صاحب النظر في علم ما يعطيه لنظر قوة صاحب الشهود وهذا الصنف إذا قضى الله ليه بدخول النار لأسباب أوجبت له ذلك فهو الذي يخرجه الحق من النار بعد شفاعة الشافعين وأما قرب العمل فهو علم ظاهر وهو ما يتعلق بالجوارح وعلم باطن وهو ما يتعلق بالنفس فأعم الأعمال الباطنة الايمان بالله وما جاء من عنده لقوله الرسول لا للعلم بذلك وعمل الايمان يعم جميع الأفعال والتروك فما من مؤمن يرتكب معصية ظاهرة أو باطنة الأولة فيها قربة إلى الله من حيث إيمانه بها أنها معصية فلا يخلص أبدا لمؤمن عمل سيئ دون أن يخالطه عمل صالح قوله تعالى فيمن هذه صفته عسى الله أن يتوب عليهم وما ذكر لهم قربة فما تاب هنا في هذه الآية عليهم ليتويوا وإنما هو رجوع بالعفو والتجاوز وعسى من الله واجبة عند جميع العلماء فالشرط المصحح لقبول جميع الفرائض فرض الايمان ثم يتقرب العبد بأداء الفرائض فمن حصل له هنا ثمرتها كان سمعا للحق وبصرا فيريد الحق بإرادته على غير علم منه أن مراده مراد لله وقوعه فإن علم فليس هو صاحب هذا المقام هذا ميزان أداء الفرائض وهو أحب ما يتقرب به إلى الله وأما قرب النوافل فإنه أيضا يحبه الله ومحبة الله أعطته أن يكون الحق سمعه وبصره هذا ميزانها في قرب النوافل ولما كانت المحبة لها مراتب متميزة في المحب قيل محب وأحب وقد وصف الله نفسه بأحب في قوله بأحب إلى من اداء ما افترضته عليه وفي النوافل قال أحببته من غير مفاضلة وافترض عليه الايمان به وبما جاء من عنده فالمؤمن له مرتبة الحب والأحب وأما عمل الجوارح فإنه قرب أيضا ولا بد أن تجنى الجارحة ثمرتها أي ثمرة عملها في حق كل إنسان من غير تقييد ولكن هم في ذلك على طبقات مختلفة في أي دار كانوا أو من أي صنف كانوا وسواء قصد القرب بذلكالعمل أو لم يقصد فإن العمل يطلب ميزانه وقد وقع من الجارحة فهو حق لها والنية حق للنفس حتى أنه لو ذكر الله بيميين فأجرة يقتطع بها حق امرئ لكان للجارحة أجر ذكر الله لكا جرى على اللسان وعلى النفس وررمانوته من ذلك والتنبيه على ما ذكرناه كون حكم ظاهر الشرع أسقط عنه بيميينه حق الطالب فإذا كان أثرها في الظاهر بهذه القوة في الدنيا فما ظنك بما تجنيه تلك الجارحة الذاكرة ربها في الأخرى فإن الجارحة لا خبر لها بما نوته النفس من ذلك فحظها النطق بذكر الله لا تدري أن ذلك الذكر يعود منه وبال على النفس أم ولا تدري هل هو مشروع أم غير مشروع ولذلك إذا شهدت الجوارح والجلود بما وقع منها من الأعمال على النفس المدبرة لها ما تشهد بوقوع معصية ولا طاعة وإنما شهادتها بما عملته والله يعلم حكمه في ذلك العمل ولهذا إذا كان يوم القيامة تشهد عليهم ألسنتهم وأيديهم وأرجلهم بما كانوا يعملون ولم يشهدوا بكون ذلك العمل طاعة ولا معصية فإن مرتبتهم لا تقتضي ذلك فالإنسان من حيث هيكله سعيد كله ومن حيث نفسه أن كان مؤمنا فهو صاحب تخليط وأما قرب الله منه فعلى نوعين النوع الواحد قرب رحمة وعطف وتجاوز ومغفرة وإحسان والنوع الآخر قرب لا يمكن كشفه لكن نومئ إليه فنقول لا يخلوا الحق مع كل عبد عندما يتجلى له أن يظهر له مادة أو في غير مادة ن فإن تجلي له في مادة وهي الصورة تبع القرب تلك المادة في مجلس الشهود وحضرة الرؤية وإن تجلى له في غير مادة كان قرب المنزلة والمرتبة كقرب الوزير والقاضي والوالي وصاحب الحسية من الملك فإنه قرب متفاضل وقد يدني مجلس إلا دون ليسارره بأمر ينفذ في مرتبته ويكون الأعلى أبعد منه مجلسا في ذلك المجلس ولا يقتضي قربه في ذلك المجلس بأنه أعلى رتبة من الأعلى منه فإن حكم المواد يخالف حكم النفوسفي الصورة وإذا علمت هذا فقد قربت من العم بقرب الحق والقرب بين الإثنين على حد واحد فمن منك فقد اتصف بأنك منه قريب وفي نفس الأمر ليس للبعد من الله سبيل وإنما البعد أمر إضافي يظهر في أحكام الاسماء الإلهية فزمان حكم الاسم الإلهي في الشخص هو زمان أتصافه بالقرب من البعد وقرب العبد منه والاسم الألهي الذي ما له حكم الوقت في الشخص هو منه بعيد كيف يتصف بالبعد عنك أو تتصف بالعبد منه من أنت في قبضته ألم يفتح لآدم يده اليمنى تعالى وكلتا يديه يمين مباركة فبسطها فإذا فيها آدم وذريته وهل يؤيد شقاء من هو في يمين الحق لا والله وكانت القبضة الأخرى جميع العالم فإنظر في أختيار آدم يمين الحق للتمييز مع كونه يعرف أن كلتى يدي ربه يمين مباركة وليس ألا ما ذكرناه ولولا ما كان التجلي لآدم في صورة مادية ما أتصفت اليدان بالقبض والبسط وقد نبهتك على معرفة القرب حتى تشهده من نفسك مع الله أن كنت من أهل التجلي في هذه الدار وإذا وقع التجلي في المواد جاءت الحدود بغير شك فجاء الشبر والذراع والباع والسعي والهرولة بحسب ما يقتضيه الحال فإن قرب المواد تابع للأحوال فعلى قدر الحال يكون القرب في المادة بين القريبين ليعلم بذلك القرب أن حاله أعطي ذلك قهو ترجمان عن الأحوال وأما القرب من الله بحياز الصورة فليس ذلك ألا للخلفاء خاصة سواء كانوا رسلا أو لم يكونوا فإن الرسالة ليست بنعت ألهي وأنما هي نسبة بين مرسل ومرسل إليه لينوب عنه فيما يريد أن يبلغه إلى هذا الشخص المرسل إليه فالرسول خليفة ونائب في التبليغ خاصة وتتمة الخلافة والنيابة أنما هي في الحكم بما تقتضيه حقائق الاسماء الألهية من القهر والأرعاد والأبراق والأخذ والرحمة والعفو والتجاوز والأنتقام والحساب والمصادرة وما ثم أصعب في الألهيات من المصادرة إذا لم تقع عن حساب أو تجاوز في الأخذ حد الأستحقاق وذلك في قوله لا يسأل عما يفعل والأخذ والتجاوز بعد التقرير والحساب والسؤال في قوله وهم يسألون وقوله ' فلله الحجة البالغة ' فقرب بالصورة على نوعين في الخلافة النوع الواحد خلافة عن تعريف ألهي بمنشور وخلافة لا عن تعريف ألهي مع نفوذ الأحكام منه ولا يسمى مثل هذا الفرب على طريق الأدب بلسان الأدباء خلافة ولا هو خليفة وبالحقيقة هو خليفة وتلك خلافة فالخلفاء متفاضلون أيضا فيها والخلافة بغير التعريف أتم في القرب المعنوي فإن الخليفة بالتعريف والأمر الظاهر يبعد من المستخلف في الصورة فإن حكمه في العالم لم يكن عن أمر من غيره بل هو حاكم لنفسه فمن حكم في العالم بنفسه ونفذ حكمه فيه من غير أمر ألهي ولا أستخلاف بتعريف ولا منشور فهو أقرب من الصورة الألهية ممن عقدت له الخلافة عن أمر ألهي بتعريف ومنشور لكنه أقرب إلى السعادة المطلوبة له من ذلك الذي لم يقترن بخلافته أمر ألهي والقرب إلى السعادة هو المطلوب عند العلماء بالله وهذا القدر كاف في معرفة القرب والله يقول الحق وهو يهدي السبيليابة أنما هي في الحكم بما تقتضيه حقائق الاسماء الألهية من القهر والأرعاد والأبراق والأخذ والرحمة والعفو والتجاوز والأنتقام والحساب والمصادرة وما ثم أصعب في الألهيات من المصادرة إذا لم تقع عن حساب أو تجاوز في الأخذ حد الأستحقاق وذلك في قوله لا يسأل عما يفعل والأخذ والتجاوز بعد التقرير والحساب والسؤال في قوله وهم يسألون وقوله ' فلله الحجة البالغة ' فقرب بالصورة على نوعين في الخلافة النوع الواحد خلافة عن تعريف ألهي بمنشور وخلافة لا عن تعريف ألهي مع نفوذ الأحكام منه ولا يسمى مثل هذا الفرب على طريق الأدب بلسان الأدباء خلافة ولا هو خليفة وبالحقيقة هو خليفة وتلك خلافة فالخلفاء متفاضلون أيضا فيها والخلافة بغير التعريف أتم في القرب المعنوي فإن الخليفة بالتعريف والأمر الظاهر يبعد من المستخلف في الصورة فإن حكمه في العالم لم يكن عن أمر من غيره بل هو حاكم لنفسه فمن حكم في العالم بنفسه ونفذ حكمه فيه من غير أمر ألهي ولا أستخلاف بتعريف ولا منشور فهو أقرب من الصورة الألهية ممن عقدت له الخلافة عن أمر ألهي بتعريف ومنشور لكنه أقرب إلى السعادة المطلوبة له من ذلك الذي لم يقترن بخلافته أمر ألهي والقرب إلى السعادة هو المطلوب عند العلماء بالله وهذا القدر كاف في معرفة القرب والله يقول الحق وهو يهدي السبيل
الباب الأحد والستون ومائتان في معرفة البعد
أعلم أن البعد هو الأقامة على المخالفة ويطلق أيضا على البعد منك
البعد منك دنو . . . وتر وشفع وتو
لما رأيت أماما . . . يقول للقوم سووا
صفوفكم في صلاة . . . لها العلا والدنو
Page 550