913

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

وما ذاك الهوى المذموم لكن . . . هو الحب الذي منه ابتلينا اعلم أيدنا الله وأياك بروح القدس أن أهل الله يطلقون لفظ اللطيفة على معنيين يطلقونه ويريدون به حقيقة الإنسان وهو المعنى الذي البدن مركبة ومحل تدبيره وآلات تحصيل معلوماته المعنوية والحسية ويطلقونه أيضا ميريدون به كل إشارة دقيقة المعنى تلوح في الفهم لا تسعها العبارة وهي من علوم الأذواق والأحوال فهي تعلم ولا تنقال لا تأخذها الحدود وإن كانت محدودة في نفس الأمر ولكن ما يلزم من له حد وحقيقة في نفس الأمر أن يعبر عنه وهذا معنى قول أهل الفهم أن الأمور ومنها ما يحد ومنها ما لا يحد أي تتعذر العبارة عن إيضاح حقيقته وحده للسامع حتى يفهمه وعلوم الأذواق من هذا القبيل ثم يتوسعون في اللطائف فيسمون كل معنى دقيق عزيز المثال وإن قيل ينفرد به افراد الرجال لطيفة ومن الاسماء الإلهية الاسم اللطيف ومن حكم هذا الاسم الإلهي ايصال أرزاق العباد المحسوسة والمعنوية المقطوعة الأسباب من حيث لا يشعرون بها المرزوق وهو قوله تعالى ' ويرزقه من حيث لا يحتسب ' ومن الاسم اللطيف قوله عليه السلام ' في نعيم الجنة فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر ' فاعلم وفقك الله أن اللطيفة التي تحصل للعبد من الله من حيث لا يشعرون إذا أوصلها العبد بهمته لتلمذه أو لمن شاء من عباد الله من حيث لا يشعر ذلك الشخص عن قصد من الشيخ حينئذ يقال فيه أنه صاحب لطيفة ولا يصح هذا إلا للمتخلق بالاسم الإلهي اللطيف فإن وقع الشعور بها فليس بصاحب لطيفة وإن وقع للتلميذ أو للموصل إليه ذلك المعنى أنه وصل إليه من هذا الشيخ عن علم محقق لا عن حسبان ولا حسن ظن ولا تخمين فذلك الشيخ ليس بصاحب لطيفة في تلك المسئلة فإنه من شأن صاحب هذا المقام العزة والمنع أن يشعر به أن ذلك من عنده على تفصيل ما وقع منه الإيصال لا على الإجمال كما أن الرزاق هو الله على الإجمال ولكن ما تعرف كيف إيصال الرزق للمرزوق على التفصيل والتعيين الذي يعلمه الحق من إسمه اللطيف فإن علم فمن حكم إسم آخر إلهي لا من الاسم اللطيف وليس ذلك بلطيفة فلا بد من الجهل بالإيصال ولهذا المعنى سميت حقيقة الإنسان لطيفة لأنها ظهرت بالنفخ عند تسوية البدن للتدبير من الروح المضاف إلى الله في قوله فإذا اسويته ونفخت فيه من روحي وهو النفس الإلهي وقد مضى بابه فهو سر إلهي لطيف ينسب إلى الله على الإجمال من غير تكييف فلما ظهر عينه بالنفخ عند التسوية وكان ظهوره عن وجود لا عن عدم فما حدث إلا إضافة التولية إليه بتدبير هذا البدن مثل ظهور الحرف عن نفس المتكلم وأعطى في هذا المركب الآلات الروحانية والحسية لإدراك علوم لا يعرفها إلا بواساطة هذه الآلات وهذا من كونه لطيفا أيضا فإنه في الإمكان العقلي فيما يظهر لبعض العقلاء من المتكلمين أن يعرف ذلك الأمر من غير وساطة هذه الآلات وهذا ضعيف في النظر فإنا ما نعني بالآلات إلا المعاني القائمة بالمحل فنحن نريد السمع والبصر والشم لا الأذن والعين والأنف وهو لا يدرك المسموع ألا من كونه صاحب سمع لا صاحب أذن وكذلك لا يدرك المبصر ألا من كونه صاحب بصر لا صاحر حدقة وأجفإن فإذا أضافات هذه الآلات لا يصح أرتفاعها وما بقي لمإذا ترجع حقائقها هل ترجع لأمور زائدة على عين اللطيفة أو ليست ترجع ألا إلى عين اللطيفة وتختلف الأحكام فيها بأختلاف المدركات والعين واحدة وهو مذهب المحققين من أهل الكشف والنظر الصحيح العقلي فلما ظهر عين هذه اللطيفة التي هي حقيقة الأنسان كان هذا أيضا عين تدبيرها لهذا البدن من باب اللطائف لأنه لا يعرف كيف أرتباط الحياة لهذا البدن بوجود هذا الروح اللطيف لمشاركة ما تقتضيه الطبيعة فيه من وجود الحياة التي هي الروح الحيواني فظهر نوع أشتراك فلا يدري على الحقيقة هذه الحياة البدنية الحيوانية هل هي لهذه اللطيفة الظاهرة عن النفخ الألهي المخاطبة المكلفة أو للطبيعة أو للمجموع ألا أهل الكشف والوجود فإنهم عارفون بذلك ذوقا أذ قد علموا أنه ما في العالم ألا حي ناطق بتسبيح ربه تعالى بلسان فصيح ينسب إليه بحسب ما تقتضيه حقيقته عند أهل الكشف وأما ما عدا أهل الكشف فلا يعلمون ذلك أصلا فهم أهل الجماد والنبات والحيوان ولا يعلمون أن الكل حي ولكن لا يشعرون كما لا يشعرون بحياة الشهداء المقتولين في سبيل الله قال تعالى ' ولا تقولوا لمن يقتل في سبيل الله أموات بل أحياء ولكن لا تشعرون ' ثم أن تدبير هذه اللطيفة هذا البدن لبقاء الصحبة لما أقتنته من المعارف والعلوم بصحبة هذا الهيكل ولا سيما أهل الهياكل المنورة وهنا ينقسم أهل الله إلى قسمين قسم يقول بالتجريد عند مفارقة هذا البدن فإنها تكتسب من خلقها وعلومها ومعارفها أحوالا وهيآت يعلمون بها في عالم التجريد من أخواتها فتطلب درجة الكمال وهذا الصنف وأن كان من أهل الله فليس من أهل الكشف بل الفكر عليه غالب والنظر العقلي عليه حاكم والقسم الآخر من أهل الله وهم أهل الحق لا يبالون بالمفارقة متى كانت لأنهم في مزيد علم أبدا دائما وأنهم ملوك أهل تدبير لمواد طبيعية أو عنصرية دنيا وبرزخا وآخرة وهم المؤمنون القائلون بحشر الأجساد وهؤلاء لهم الكشف الصحيح فإن اللطيفة الألهية لم تظهر ألا عن تدبير وتفصيل وهيكل مدبر هو أصل وجودها مدبرة فلا تنفك عن هذه الحقيقة ومن تحقق ما يرى نفسه عليه في حال النوم في الرؤيا يعرف ما قلناه فإن الله ضرب ما يراه النائم في نومه مثلا وضرب اليقظة من ذلك النوم مثلا آخر للحشر والأول ما يؤول إليه الميت بعد مفارقة عالم الدنيا ولكن أكثر الناس لا يعلمون يعلمون ظاهرا من الحياة الدنيا وهم عن الآخرة هم غافلون فنحن في أرتقاء دائم ومزيد علم دنيا وبرزخا وآخرة والآلات مصاحبة لا تنفك في هذه المنازل والمواطن والحالات عن هذه اللطيفة الأنسانية ثم أن الشقاء لهذه اللطيفة أمر عارض يعرض لها كما يعرض المرض في الدنيا لها لفساد هذه الأخلاط بزيادة أو نقص فإذا زيد في الناقص أو نقص من الزائد وحصل الأعتدال زال المرض وظهرت الصحة كذلك ما يطرأ عليها في الآخرة من الشقاء ثم المآل إلى السعادة وهي أستقامة النشأة في أي دار كان من جنة أو نار أذ قد ثبت أنه لكل واحد من الدارين ملؤها فالله يجعلنا ممن حفظت عليه صحة مزاج معارفه وعلومه فهذا طرف من حقيقة مسمى اللطيفة الأنسانية بل كل موجود من الأجسام له لطيفة روحانية ألهية تنظر إليه من حيث صورته لا بد من ذلك وفساد الصورة والهيئة موت حيث كان وأما أصطلاحهم اللطيفة على المعنى الآخر الذي هو كل أشارة تلوح في الفهم لا تسعها العبارة فاعلم أن أهل الله قد جعلوا الأشارة نداء على رأس البعد وبوحا بعين العلة ولكن في التقسيم في الأشارات يظهر فرقان وذلك أن الأشارة التي هي نداء على رأس البعد فهو حمل ما لا تبلغه العبارة كما أن الأشارة للذي لا يبلغه الصوت لبعد المسافة وهو ذو بصر فيشار إليه بما يراد منه فيفهم فهذا معنى قولهم نداء على رأس البعد فكل ما لا تسعه عبارة من العلوم فهو بمنزلة من لم يبلغه الصوت فهو بعيد عن المشير وليس ببعيد عما يراد منه فإن الأشارة قد أفهمته ما يفهمه الكلام أو يبلغه الصوت وقد قطعا أن المشير إذا كان الحق فإنه بعيد عن الحد الذي يتميز به العبد فهذا بعد حقيقي لا بد منه ولا يكون الأمر ألا هكذا فلا بد من الأشارة وهي اللطيفة فإنه معنى لطيف لا يشعر به ثم أنه وأن لم يكن بعد فهو بوح بعين العلة وذلك أن الأصم يكون قريبا من المتكلم ولكن قربه لا تقع به الفائدة لأنه لا يصل إليه الصوت لعلة الصمم فيشير إليه مع القرب كما يقول الحق على لسان عبده سمع الله لمن حمده فهذا غاية القرب مع وجود العلة وظهورها وأكثر من هذا القرب ما يكون فإنه هو مع قوله قسمت الصلاة بيني وبين عبدي نصفين ففرق وفصل وأين هذا ممن جعل قوله قوله وأنه المتكلم والقائل لا هو فهذا قرب معلول فهو قولهم وبوح بعين العلة ولهذا سميت لطيفة لأنها أدرجت الرب في العبد فقال تعالى فأجره حتى يسمع كلام الله وكان المتكلم محمدا صلى الله عليه وسلم بكلام الله وقال تعالى كنت سمعه وبصره ولسانه وهذا من ألطف ما يكون ظهور رب في صورة خلق عن أعلام ألهي لا تعرف له كيفية ولا تنفك عنه بينية فليس كمثله شيء وهو السميع البصير ثم أنه من هذا الباب حنين الأمهات إلى أولادها وعطفها عليهم والحنين إلى الأوطان والشوق إلى الألاف وهي مناسبات في الجملة بين الأمرين إذا أراد الشخص أن يعرف عللها لم يقدر على ذلك ولكن يقارب ألا من حصل له التعريف الألهي فذلك عالم بما هو الأمر عليه تلقاه من أصل الوجود بل من عين الوجود إذا الحق هو الوجود ليس ألا

الباب السادس عشر ومائتان في معرفة الفتوح وأسراره

أن الفتوح هو الراحات أجمعها . . . وهو العذاب فلا تفرح إذا وردا

حتى ترى عين ما يأتي به فإذا . . . رأيته فأتخذ ما شئته سندا

الريح بشرى من الرحمن بين يدي . . . ما شاء من رحمة فيها إذا قصدا

وقد تكون عذابا ما أستعد له . . . كريح عاد بنقل ثابت شهدا

Page 494