818

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

فخالف الناس حتى لا إتفاق لهم . . . الأعلى شجب والخلف في الشجب يعني ما هو الشجب الموت فإذا حضرتم الوفاة رضى الله عنهم فلا بد لهم من مشاهدة اثنتي عشر صورة يشهدونها كلها أو بعضها لا بد من ذلك وهن صورة عمله وصورة علمه وصورة اعتقاده وصورة مقامخ وصورة حاله وصورة رسوله وصورة الملك وصورة إسم من أسماء الذات وكان الأولى ان تكون هذه الصورة كلها بالسين النعوت وصورة إسم من أسماء التنزيه وصورة إسم من أسماء الذات وكان الأولى ان تكون هذه الصور كلها بالسين لا بالصاد فانها منازل معان إلا انه لما تجسدة المعاني وظهرت بالأشكال والمقادير لذلك تصورت في صور إذ كان الشهود بالبصرة وحكمت الحضرة بذلك الخيال البرزخية فالموت والنوم سواء فيما تنتقل إليه المعاني فمنهم من يتجلى له عند الموت عمله العمل فيتجلى له عمله في الزينة والحسن على قدر ما انشأه العامل عليه من الجمال فان أتم العمل كما شرع له ولم ينقص منه شيأ يشينه انتقاصه كان في أتم نشأة حسنة ظهرت من تمام أركان ذلك العمل الظاهرة والباطنة من الحضور وشهود الرب في قلبه وفي قبلته إذا صلى وكل عمل مشروع فهو صلاة ولهذا قال صلى الله عليه وسلم عن الله تعالى انه يقول يوم القيامة انظروا في صلاة عبدي أتمها أم نقصها فان كانت تامة كتبت له تامة وان كانت انتقص منها شيأ قال انظر وهل لعبدي من تطوع فان كان له تطوع قال أكملوا العبدي في فريضته من تطوعه ثم تأخذ الأعمال على ذا كم فان كان العمل غير ذات العامل كمانع الزكاة وكغاصب أمر ما حرم عليه اغتصابه كسى ذلك المال صورة عمل هذا العبد من حسن أو قبح فان كان قبيحا طوق به كما قال في مانع الزكوة سيطوقون ما بخلوا به يوم القيامة وقال فيه عليه السلام يمثل له ماله شجاعا أقرع الحديث وفيه يقول له انا كنزك فيطوق به والكنز من عمل العبد في المال وهكذا العباد الله الصالحين فيما يجودون به من الخير بما يرجع إلى نفوسهم وإلى التصرف في غير ذواتهم فيرى علامات ذلك كله وهذا داخل تحت قوله تعالى ' سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم ' وهذا الموطن من بعض مواطن ما يرى فيه عمله فيشاهد العبد الصالح عند الاحتضار عمله الصالح الذي هو لروحه مثل البراق لمن أسرى به عليه فيرفع تلك الروح الطيبة إلى درجاتها حيث كانت من عليين فان عباد الله على طبقات في أعمالهم في الحسن والإحسن والجميل والأجمل العلم ومنهم رضى الله عنهم من تجلى له الموت علمه بالجناب الإلهي وهم رجلان رجل أخذ علمه بالله عن نظر واستدلال ورجل أخذ علمه عن كشف وصورة الكشف أتم وأجمل في التجلي لان الكشف واقتناه هذا العلم ينتجه تقوى وعمل صالح وهو قوله واتقوا الله ويعلمكم الله فيظهر له علمه عند الموت صورة حسنة أو نورا يلتبس به فيفرح به فان صحبته دعوى في اقتنائه ذلك العلم نفيسة فهو في الصورة الجميلة دون من لم تصحبه دعوى في اقتناء ذلك العلم بل يراه منحه إلهية وفضلا ومنة لا يرى في نفسه تعملا بل يكون ممن فني عن عمله في عمله فكان معولا به كالآلة للصانع يعمل بها وينسب العمل إليه لاإليها فيقع الثناء على الصانع العامل بها لا عليها فهكذا يكون بعض عباد الله في اقتناء علومهم الإلهية فتكون صورة العلم في غاية من الحسن والجمال الإعتقاد ومنهم المعتقد الذي لا علم عنده إلا ان عقده موافق للعلم بالأمر على ما هو عليه فكان يعتقد في الله ما يعتقده العالم لكن عن تقليد لمعلمه من العلماء بالله ولكن لا بد ان يتخيل ما يعتقد فانه ليس في قوته ان يجرده عن الخيال وهو عند الاحتضار وللاحتضار حال استشراف على حضرة الخيال الصحيح الذي لا يدخله ريب ما هو الخيال الذي هو قوة الانسان في مقدم دماغه بل هو خيال من خارج كجبريل في صورة دحية وهو حضرة مستقلة وجودية صحيحة ذات صور جسدية تلبسها المعاني والأرواح فتكون درجته بحسب ما اعتقده من ذلك المقام فان كان هذا العبد صاحب مقام قد لحق بدرجة اتلأرواح النورية فانها التي ذكر الله عنها انها قالت وما منا الإله مقام معلوم فيظهر له مقامه في صورة فينزل فيها منزلة الوالي في ولايته فيكون بحسب مقامه وهذه كلها بشارات الحياة الدنيا الذين قال الله فيهم ' الذين آمنوا وكانوا يتقون لهم البشرى في الحياة الدنيا ' الحال فان كان صاحب الحال في وقت احتضاره يرد عليه من الله حال يقبض فيه فهو له كالخلعة لا كالولاية فيتلبس بها نويتجمل بحسب ما يكون ذلك الحال موهوبا على كل وجه ولكن الناس على قسمين منهم من تتقدم لهم الخدمة فيقال انه مستحق لما خلع عليه ومنهم من لم يتقدم له ذلك فيكون المنة والعناية به أظهر لانه لا يعرف له سبب مع ان الأحوال كلها مواهب والمقامات استحقاق الرسل ومنهم من يتجلى له عند الإحتضار رسوله الذي ورثه إذ كان العلماء ورثة الانبياء فيرى عيسى عند احتضاره أو موسى أو إبراهيم أو محمد أو أي نبي كان على جميعهم السلام فمنهم منينطق باسم ذلك النبي الذي ورثه عندما يأتيه فرحا به لان الرسل كلهم سعداء فيقول عند إحتضار عيسى أو يسميه المسيح كما سماه الله وهو الأغلب فيسمع الحاضرون بهذا الولي يتلفظ بمثل هذه الكلمة فيسيئون الظن به وينسبونه إلى انه تنصر عند الموت وانه سلب عند الإسلام أو يسمى موسى أو بعض انبياء بني إسرائيل فيقولون انه تهود هو من أكبر السعداء عند الله فان هذا المشهد لا تعرفه العامة بل يعرفه أهل الله من أرباب الكشوف وان كان ذلك الأمر الذي هو فيه اكتسبه من دين محمد صلى الله عليه وسلم ولكن ما ورث منه هذا الشخص إلا أمر مشتركا كان لنبي قبله وهو قوله ' أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتدى ' فلما كانت الصورة مشتركة جلى الحق له صاحب تلك الصورة في النبي الذي كانت له تلك الصفة التي شاركه فيها محمد صلى الله عليه وسلم مثل قوله ' أقم الصلاة لذكرى ' وذلك ليتميز هذا الشخص بظهوره من ورثة من الانبياء عمن ورث غيره فلو تجلى في صورة محمدية إلتبس عليه الشخص الذي ورث محمدا صلى الله عليه وسلم فيما أختص به دون غيره من الرسل الملك ومنهم من تجلى له عند الإحتضار صورة الملك الذي شاركه في المقام فانهم الصافون ومنهم المسبحون ومنهم التالون إلى ما هم عليه من المقامات فينزل إليه الملك صاحب ذلك المقام مؤنسا وجليسا تستنزله عليه تلك المناسبة فربما يسميه عند الموت ويرى من المحتضر تهمما به وبشاشا وفرحا وسرورا وما وصفنا في هذا الإحتضار إلا أحوال الأولياء الخارجين عن حكم التلبيس ما ذكرنا من أحوال العامة من المؤمنين فان ذلك مذاق آخر وللأولياء هذا الذي نذكره خاصة فلذلك ما نتعرض لما طرأ من المحتضر من العامة مما يكره رؤيته ويتمعر وجهه ليس ذلك مطلوبنا ولا يرفع بذلك رأسا أهل الله وان تعرض لهم فانهم عارفون بما يرونه أسماء الأفعال ومنهم من يتجلى له عند الموت هجيره من الاسماء الإلهية فان كان من أسماء الأفعال كالخالق بمعنى الموجد والباري والمصور والرزاق والمحي وكل إسم يطلب فعلا فهو بحسب ما كان عليه في معاملته معه ظهر له بما يناسب ذلك العمل فيراه في أحسن صورة فيقول له من انت يرحمك الله فيقول هجيرك وسيأتي ذكر الهجيرات من هذا الكتاب في باب الأحوال الأقطاب من آخره ان شاء الله أسماء الصفات فان كان هجيره كل إسم يستدعي صفة كمال كالحي والعالم والقادر والسميع والبصير والمريد فان هذه الاسماء كلها أسماء المراقبة والحيا فهم أيضا بحسب ما كانوا في حال حياتهم عند هذه الأذكار من طهارة النفوس عن الإعراض التي تتخلل هذه النشأة الانسانية التي لا يمكن الانفكاك عنها وليس لها دواء إلا الحضور الدائم في مشاهدة الوجه الإلهي الذي له في كل كون عرضي وغير عرضي أسماء النعوت فان كان هجيره أسماء النعوت وهي أسماء النسب كالأول والآخر وما جرى هذا المجرى فهو فيها بحسب ما يقوم به من علم الإضافات في ذكره ربه بمثل هذه الاسماء فيعرفه ان لها عينا وجوديا كمثبتي الصفات أو لا عين لها أسماء التنزيه ومنهم من يتجلى له عند الإحتضار أسماء التنزيه كالغني فان كان مثل هذا الاسم هجيره في مدة عمره فهو فيه بحسب شهوده هل يذكره بكونه غنيا عن كذا ويذكره غنيا حميدا من غير ان يخطر له عن كذا وكذا فيما يماثله من أسماء التنزيه سواء أسماء الذات ومنهم من كان هجيره إسم الله أو هو والهو أرفع الإذكار عندهم كأبي حامد ومنهم من يرى انت أتم وهو الذي ارتضاه الكتاني مثل قوله يا حي يا قيوم يا لا إله إلا انت ومنهم يرى انا انا أم وهو رأي أبي يزيد فإذا احتضر من هذا ذكره فهو بحسب اعتقاده في ذلك من نسبة تلك الكناية من توهم تحديد وتجريد عن تحديد ومنهم من يرى ان التجريد والتنزيه تحديد ومن المحال ان يعقل أمر من غير تحديد أصلا فانه لا يخلو إما ان يعقل داخلا أو خارجا الأمر لا غيره وكل هذا تحديد فان كل مرتبة قد تميزت عن غيرها بذاتها ولا معنى للحد إلا هذا وهذا القدر كاف انتهى الجزء التاسع ومائة

Page 293