745

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

ان رآني به فمني أراه . . . أو دعاني إليه فهو المجيب مخالفتها عين مساعدتها فانها بها تخالفها فانتقلت منها إليها فما زلت عنها ثم أعلم ان للنفس غرضين ذاتي وعرضي فالذاتي هو جلب المنافع ودفع المضار والعرضي هو ما عرض لها من جانب الشريعة وقد يكون من جانب الغرض وقد يكون من جانب ملايمة الطبع وقد يكون من جانب طلب الكمال فكلها في الطريق الذي نحن بسبيله غير معتبر ألا جانب الشريعة خاصة فانها التي وضعت الأسباب الفاضلة التي بفعل ما أمرت بفعله وبترك ما نهت عن فعله وجبت السعادة وحصلت المحبة الألهية وكان الحق سمع العبد وبصره ففصل الشارع لها جميع ما يرضيه منها وما يسخطه من ذلك عليها ان فعلته وما لا سخط فيه ولا رضى فما كان مما يرضى الله فهو القاء ملكي وفي حق النبي القاء ملكي وألهي وليس للألقاء الألهي مدخل في الأولياء الأتباع جملة واحدة أعني في الأحكام بتحليل أو تحريم وما كان مما يسخط الله فهو القاء شيطاني لا ناري فمن الجن من يلقي الخير في قلوب الصالحين لهم بهم تلبس عظيم وأمتزاج ومحبة فما كان مما يلقي الشيطان فهو ملذوذ للنفس ومحبب لها ومزين في عينها في الوقت مر العاقبة في المآل والقاء الملك قد يكون مرا في الوقت لكنه ملذوذ في المآل وكلتا الحالتين لا تقتضيهما النفس من ذاتها فلا ينبغي للعاقل ان يساعد النفس فيما تتعلق به من الأمور التي تأمره به من المباح خاصة ومن ملذوذات الطاعات وأما العارف الذي الحق سمعه وقواه فيساعدها في جميع أغراضها فانه نور كله والنور مالا ظلمة فيه ولذلك كان صلى الله عليه وسلم يقول في دعائه ' وأجعلني نورا ' لان النفس ما ينسب إليها ذم ألا بعد تصريفها آلتها في المذموم وهو الظلمة فيقال قد أغتاب الغيبة المحرمة عليه وقد كذب الكذب المحرم عليه وقد نظر النظر المحرم عليه وما لم يظهر الفعل على الآلات لم يتعلق بها ذم والعارف قد وقع الأخبار الألهي عنه بان الحق جميع قواه فذكر الآلات فلهذا أبحنا للعارف مساعدة النفس لما هو عليه من العصمة في ظاهره الذي هو الحفظ

الباب الرابع عشر ومائة في معرفة الحسد والغبط

حسد القلب حصاد . . . وهوى النفس بعاد

عينه في الجنس تبدو . . . وهو الملك الجواد

فانا أحسد مثلي . . . وبهذا القوم سادوا

مالنا مثل سوانا . . . حسد الحق العباد

لو درى الناس الذي ق . . . لت لما كان العناد

الحسد وصف جبلي في الانس والجان وكذلك الغضب والغبط والحرص والشره والجبن والبخل وما كان في الجبلة فمن المحال عدمه ألا ان تنعدم العين الموصوف بها ولما علم الحق ان أزالتها من هذين الصنفين من الخلق لا يصح زوالها عين لها مصارف يصرفها فيها فتكون محمودة إذا صرفت في الوجه الذي أمر الشارع ان تصرف فيه وجوبا أو ندبا وتكون مذمومة إذا صرفت في خلاف المشروع وإذا عرفت هذا فلا عناد ولا نزاع قال صلى الله عليه وسلم زادك الله حرصا ولا تعد وقال منهومان لا يشبعان طالب دنيا وطالب علم فطلب الدنيا قد يكون مذموما وقد يكون محمودا وطلب العلم محمود بكل وجه غير ان المعلومات متفاضلة فبعضها أفضل من بعض وتختلف بأختلاف القصد فان طلب العلم بالمثال من جهة من قامت بهم لا من حيث أعيانها وطلب بعضها بطريق التجسس مذموم فما ثم على التحقيق ما هو مخلص لأحد الجانبين أين قوله ' ومن شر حاسدا إذا حسد ' من قوله لا حسد ألا في أثنين وكذلك أين الغضب لله من غضب الانسان لنفسه من غضبه حمية جاهلية فجميع ما جبلت النفس عليه لا يزول بالمجاهدة ولا بالرياضة وانما تختلف مصارفها فيختلف اللسان عليها بالذم والحمد فان أخذ بها جهة اليمين فبخل بدينه وحرص على فعل الخير وغضب لله حمد وان أخذ بها جهة الشمال فغضب حمية جاهلية وبخل بما فرض عليه الجود به كالزكاة وتعليم العلم ذم حقا وخلقا وعلم هذا الباب فيه راحة عظيمة ومنفعة للناس وهم عنها غافلون انتهى الجزء الثامن والتسعون

Page 192