731

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

في الزهد تعظيم الأمور وماله . . . عند المحقق قيمة لا تجحد الزهد لا يكون إلا في الحاصل في الملك والطلب حاصل في الملك فالزهد في الطلب زهد لان أصحابنا اختلفوا في الفقير الذي لا ملك له هل يصح له إسم الزاهد أو لا قدم له في هذا المقام فمذهبنا ان الفقير متمكن من الرغبة في الدنيا والتعمل في تحصيلها ولو لم يحصل فتركه لذلك التعمل والطلب والرغبة عنه يسمى زهدا بلا شك وذلك الطلب في ملكه حاصل فلهذا حددناه بما ذكرنا ولقد فاوضت في هذه المسئلة جامعة من أهل الله فأكثرهم قال بقولنا وسبب ذلك ان صاحب الذوق لا بد ان يرى لتركه طلب الدنيا والرغبة فيها أثرا إلهيا في قلبه فلو لم يكن للأمر وجود عند الله واعتبار ما صح ان يكون له أثر في التجلي الإلهي لصاحب هذا الحال وهو الصحيح فلنقل ان للزهد الذي ذكرناه مقاما وحالا فمقامهالإلهي مطلق وهو زهده في كل إسم إلهي يحول بينه وبين عبوديته والرباني مقيد بصفة التنزيه عن حكم هذا الاسم عليه والرحماني هو صرفه على ما يستحقه أعني هذا المزهود فيه فإما في الملك من كونه مسلما فالزهد في الأكوان وهو الحجاب إلا بعد الأقصى وأما في الجبروت من كونه مؤمنا فالزهد في نفسه وهو الحجاب الأدنى الأقرب وأما في الملكوت من كونه محسنا فالزهد في كل ما سوى الله وهنا يرتفع الحجاب عند الطائفة قال أبو يزيد الأكبر ليس الزهد عندي اني كنت زاهدا ثلاثة أيام أول يوم زهدت في الدنيا واليوم الثاني زهدت بالآخرة واليوم الثالث زهدت في كل ما سوى الله فناداني الحق مإذا تريد فقلت أريد ان لا أريد لاني انا المراد وانت المريد وقد انتقد عليه هذا القول بعض أهل الطريق وجهل مقام أبي يزيد في ذلك وقد تكلمنا على قصده بهذا القول وبينا فساد هذا القول أعني قول المعترض عليه في غير هذا الموضع وهو من المقامات المستصحبة للعبد ما لم ينكشف له فإذا كشف الغطاء عن عين قلبه لم يزهد ولا ينبغي له ان يزهد فان العبد لا يزهد فيما خلق له ولا يكون زاهدا إلا من يزهد فيما خلق من أجله وهذا لا يصح كونه فالزهد من القائل به جهل في عين الحقيقة لانه ما ليس لي لا اتصف بالزهد فيه وما هو لي لا يمكنني الانفكاك عنه فأين الزهد فلنقل صاحب هذا الحكم هذا هو الزهد الذي يستحق هذا الاسم ولنا في هذا النظام الزهدي نظم

العيب منك وانت لا تدري . . . فالزهد مثل صلاة الوتر

وسراج نفسك نوره متعلق . . . بجميع ما في الكون من أمر

فاطف السراج يزول كل تعلق . . . فالزهد فيك كليلة القدر

هي من غروب الشمس حتى تنتهي . . . بالحكم فيك كمطلع الفجر

يقول لو رأيت الحق لم تزهد فان الله ما زهد في الخلق وما ثم تخلق إلا بالله فبمن تتخلق في الزهد انظر إلى هذا المعنى فانه دقيق جدا

الزهد ترك وترك الترك معلوم . . . بانه مسك ما في الكف مقبوض

الأرض قبضته وهو الغني فأي . . . ن الترك فهو محال فيك مفروض

لا ينعم الحق بالنعما فانت لها . . . وقد زهدت فهذا اللفظ تعريض

فالزهد ليس له في العلم مرتبة . . . وتركه عند أهل الجمع مفروض

الباب الرابعة والتسعون : في معرفة ترك الزهد

اعلم ان ترك الترك امساك والزهد ترك وترك الزهد ترك الترك فهو عين رجوعكإلى ما زهدت فيه لان العلم الحق ردك إليه والحال يطلبه فما له حقيقة في باطن الأمر لكن له حكم ما في الظاهر فيصح هذا القدر منه وبقي هل يقع الإمساك الذي هو ترك الزهد عن رغبة في الممسوك أو لا عن رغبة فاختلفت أحوال الناس فيه فمن أمسك لا عن رغبة فهو زاهد أمين على امساك حقوق الغير حتى يؤديها إلى أربابها في الأوقات المقدرة المقررة وقد يكون عن كشف وعلم صحيح بأعيان أصحابها وقد لا يكون غير انه لا يتناول منها شيأ في حق نفسه إذ كان بهذه المثابة ومن أمسك عن رغبة الممسوك وهم رجلان الواحد راجع عن مقام الزهد بلا شك لمرض قام به في نفسه فهذا ليس بشئ والرجل الآخر وهم الانبياء والكمل من الأولياء فامسكوا باطلاع عرفاني انتج لهم أمرا عشقه بما في الإمساك من المعرفة والتحلي بالكمال لا عن بخل وضعف يقين أرسل الله على أيوب رجل جراد من ذهب فسقط عليه فأخذ يجمعه في ثوبه فاوحى الله إليه ألم أكن أغنيتك عن هذا قال لا غنى لي عن خيرك فانظر ما أعطيته معرفته وما زهد من زهد إلا لطلب الأكثرية فزهد في الأقل قل متاع الدنيا قليل فأين الزهد فما تركوا الدنيا إلا حذارا ان يزرأهم في الآخرة فهذا عين الطمع والرغبة فيما يتخيل فيه انه زهد وهذا هو مقام ترك الزهد وأما حاله فالزهد في الدنيا ولهذا لا يثبت

الباب الخامس والتسعون في معرفة أسرار الجود وأصناف الأعطايات مثل

الكرم والسخاء والإيثار على الخصاصة وعلى غير الخصاصة والصدقة والصلة والهدية والهبة وطلب العون وتركه

رتب العطاء كثيرة لا تحصر . . . وبها على أعدائنا نستنصر

بالجود صح وجودنا في عيننا . . . بل نحن منه على الحقيقة مظهر

Page 175