Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
فمن خلا ولم يجد فما خلا . . . فهي طريق حكمها حكم البلا وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم كان الله ولا شيء معه وسئل رسول الله صلى الله عليه وسلم أين كان ربنا قبل ان يخلق خلقه قال كان في عماء ما فوقه هواء وما تحته هواء ثم خلق الخلق وقضى القضية وفرغ من أشياء وهو كل يوم في شان وسيفرغ من أشياء ثم يعمر المنازل بأهلها إلى الأبد الخلوة أعلى المقامات وهو المنزل الذي يعمره الانسان ويملؤه بذاته فلا يسعه معه فيه غير فتلك الخلوة ونسبتها إليه ونسبته إليها نسبة الحق إلى قلب العبد الذي وسعه ولا يدخله وفيه غير بوجه من الوجوه الكونية فيكون خاليا من الأكوان كلها فيظهر فيه بذاته ونسبة القلب إلى الحق ان يكون على صورته فلا يسع فيه سواه وأصل الخلوة في العالم الخلاء الذي ملأه العالم فأول شيء ملأه الهباء وهو جوهر مظلم ملأ الخلاء بذاته ثم تجلي له الحق باسمه النور فانصبغ به ذلك الجوهر وزال عنه حكم الظلمة وهو العدم فأتصف بالوجود فظهر لنفسه بذلك النور المنصبغ به وكان ظهوره به على صورة الانسان وبهذا يسميه أهل الله الانسان الكبير وتسمى مختصره الانسان الصغير لانه موجود أودع الله فيه حقائق العالم الكبير كلها فخرج على صورة العالم مع صغر جرمه والعالم على صورة الحق فالانسان على صورة الحق وهو قوله ان الله خلق آدم على صورته ولما كان الأمر على ما قررناه لذلك قال تعالى ' لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون ' لكن يعلم القليل من الناس فالانسان عالم صغير والعالم انسان كبير ثم انفتحت في العالم صور الأشكال من الأفلاك والعناصر والمولدات فكان الانسان آخر مولد في العالم أوجده الله جامعا لحقائق العالم كله وجعل خليفة فيه فإعطاه قوة كل صورة موجودة في العالم فذلك الجوهر الهبائي المنصبغ بالنور هو البسيط وظهور صور العالم فيه هو الوسيط والانسان الكامل هو الوجيز قال تعالى ' سنريهم آياتنا في الآفاق وفي انفسهم ' ليعلموا ان الانسان عالم وجيز من العالم يحوي على الآيات التي في العالم فأول ما يكشف لصاحب الخلوة آيات العالم قبل آيات نفسه لان العالم قبله كما قال تعالى ' سنريهم آياتنا في الآفاق ' ثم بعد هذا يريه الآيات التي أبصرها في العالم في نفسه فلو رأها أو لا في نفسه ثم رآها في العالم ربما تخيل ان نفسه رأى في العالم فرفع الله عنه هذا الإشكال بان قدم له رؤية الآيات في العالم كالذي وقع في الوجود فانه أقدم من الانسان وكيف لا يكون أقدم وهو أبوه فأبانت له رؤية تلك الآيات التي في الآفاق وفي نفسه انه الحق لا غيره وتبين له ذلك فالآيات هي الدلالات له على انه الحق الظاهر في مظاهر أعيان العالم فلا يطلب على أمر آخر صاحب هذه الخلوة فانه ما ثم جملة واحدة ولهذا تمم تعالى في التعريف فقال ' أولم يكف بربك ' انه على كل شئ من أعيان العالم شهيد على التجلي فيه والظهور وليس في قوة العالم ان يدفع عن نفسه هذا الظاهر فيه ولا ان لا يكون مظهرا وهو المعبر عنه بالإمكان فلو لم يكن حقيقة العالم الإمكان لما قبل النور وهو ظهور الحق فيه الذي تبين له في الآيات ثم تمم وقال ' انه بكل شئ ' من العالم محيط والإحاطة بالشئ تستر ذلك الشئ فيكون الظاهر المحيط لا ذلك الشئ فان الإحاطة به تمنع من ظهوره فصار ذلك الشئ وهو العالم في المحيط كالروح في للجسم والمحيط كالجسم للروح الواحد شهادة وهو المحيط الظاهر والآخر غيب وهو المستور بهذه الإحاطة وهو عين العالم ولما كان الحكم للمصوف بالغيب في الظاهر الذي هو الشهادة وكانت أعيان شيئيان العالم على استعدادات في انفسها حكمت على الظاهر فيها بما تعطيه حقائقها فظهرت صورها في المحيط وهو الحق فقيل عرش وكرسي وأفلاك وأملاك وعناصر ومولدات وأحوال تعرض وما ثم إلا الله فالحق من كونه محيطا كبيت الخلوة لصاحب الخلوة فيطلب صاحب الخلوة فلا يوجد فان البيت يحجبه فلا يعرف منه إلا مكانه ومكانه يدل على مكانته فقد أعطيته مرتبة الخلوة التي نريد في هذا الكتاب لا الخلوة المعهودة عند أصحاب الخلوات ودرجاتها ألف وسبع وستون درجة فظهر في الدرجات صورة الوترية وإذا لم يعمر الخلاء إلا العالم فهو في خلوة بنفسه هذا أصله ثم انه لما انصبغ بالنور كان في خلوة برية وبقي في تلك الخلوة إلى الأبد لا يتقيد بالزمان لا بأربعين يوما ولا بغير ذلك فالعارف إذا عرف ما ذكرناه عرف انه في خلوة بربه لا بنفسه ومع ربه لا مع نفسه فيرى من حيث أثره في المحيط به بالصور التي ظهر بها المحيط نفسه بنفسه ومن حيث تعدد أعيانه رأى منه به وكانت كل عين مغايرة لصاحبتها ولذلك اختلفت صور العالم وان كان واحدا كما اختلفت صورة الانسان في نفسه وان كان الانسان واحدا فيده ما هي رجله ورأسه ما هو صدره وعينه ما هو أذنه ولا لسانه ولا فرجه وعقله ما هو فكره ولا خياله فهو متنوع متعدد العين بالصورة المحسوسة والمعنوية ومع هذا يقال فيه انه واحد ويصدق ويقال فيه كثير ويصدق فمن حيث أحديته نقول رأى نفسه بنفسه ومن حيث كثرته نقول رأى بعضه ببعضه فتكلم بلسانه وبطش بيده وسعى برجله واستنشق بانفه وسمع بأذنه ونظر بعينه وتخيل بخياله وعقل بعقله فهذا بكثير وما ثم إلا هو فمن حصل له هذا العلم كما قررناه كان صاحب خلوة ومن حرمه فليس بصاحب خلوة فقد تبين لك ان الحق بالعالم والعالم بالحق فهويته عين المجموعة كما ان المجموعة هو الانسان بغيبه وشهادته ونطقه وحيوانيته فهو واحد في الكثرة وكثير في الأحدية فالخلوة من المقامات المستصحبة دنيا وآخرة إلى الأبد من حصلت له لا تزول فانه لا أثر بعد عين وأما الخلوة المعروفة المعهودة فليست مقاماولا تصح إلا لمحجوب وأما أهل الكشف فلا تصح لهم خلوة أبدا فانهم يشاهدون الأرواح العلوية والأرواح النارية ويرون الكائنات ناطقة أكوان ذاته وأكوان بيت خلوته فهو في الملأ كما هو في نفس الأمر فإذا أخذ الله عن بصره هذه المدركات وفصل بين الحيوان والجماد والملائكة وعالم الصمت من عالم الكلام وعالم السكون من عالم الحركات ويحب ان يخلو بربه حتى لا يشغله عنه نطق كون ولا حركة كون فمن يطلب الخلوة لمزيد علم بالله من الله لا من نظره وفكره وهذا أتم المقاصد فانه مأمور بذلك والعمل على الأمر الإلهي هو غاية كما العمل والله يقول له ' قل ربي زدني علما ' فمن تحدث في خلوته في نفسه مع كون من الأكوان فما هو في خلوة قال بعضهم لصاحب خلوة ' اذكرني عند ربك ' في خلوتك فقال له إذا ذكرتك فلست معه في خلوة ومن هنا تعرف قوله تعالى ' انا جليس لمن ذكرني ' فانه لا يذكره حتى يحضر المذكور في نفسه ان كان المذكور ذا صورة في اعتقاده أحضره في خياله وان كان من غير عالم الصور أو لا صورة له أحضرته القوة الذاكرة فان القوة الذاكرة من الانسان تضبط المعاني والقوة المتخيلة تضبط المثل التي أعطنها الحواس أو ما تركبه القوة المصورة من الأشكال الغريبة التي استفادت جزئياتها من الحس لا بد من ذلك ليس لها تصرف إلا به فمن شرط الخلوة في هذا الطريق الذكر النفسي لا الذكر اللفظي فأول خلوته الذكر الخيالي وهو تصور لفظة الذكر من كونه مركبا من حروف رقمية ولفظية يمسكها الخيال سمعا أو رؤية فيذكر بها من غير ان يرتقي إلى الذكر المعنوي الذي لا صورة له وهو ذكر القلب ومن الذكر القلبي ينقدح له المطلوب والزيادة من العلوم وبذلك العلم الذي انقدح له يعرف ما المراد بصور المثل إذا اقيمت له وانشأها الحس في خياله في نوم ويقظة وغيبة وفناء فيعلم ما رأى وهو علم التعبير للرؤيا ومنهم من يأخذ الخلوة لصفاء الفكر ليكون صحيح النظر فيما يطلبه من العلم وهذا لا يكون إلا للذين يأخذون العلم من أفكارهم فهم يتخذون الخلوات لتصحيح ما يطلبونه إذا ظهر لهم بالموازين المنطقية وهو ميزان لطيف أدنى هواء يحركه فيخرجه عن الاستقامة فيتخذون الخلوات ويسدون المجاري إلا هواء لئلا تؤثر في الميزان حركة تفسد عليهم صحة المطلوب ومثل هذه الخلوة لا يدخلها أهل الله وانما لهم الخلوة بالذكر ليس للفكر عليهم سلطان ولا له فيهم أثر وأي صاحب خلوة استنكحه الفكر في خلوته فليخرج ويعلم انه لا يراد لها وانه ليس من أهل العلم الإلهي الصحيح إذ لو أراده الله لعلم الفيض الإلهي لحال بينه وبين الفكر ومنهم من يأخذ الخلوة لما غلب عليه من وحشة الانس بالخلق فيجد انقباضا في نفسه برؤية الخلق حتى أهل بيته حتى انه ليجد وحشة الحركة فيطلب السكون فيؤديه ذلك إلى اتخاذ الخلوة ومنهم من يتخذ الخلوة لاستحلاء ما يجد فيها من الألتذاذ وهذه كلها أمور معلومة لا تعطي مقاما ولا رتبة وصاحب الخلوة لا ينتظر واردا ولا صورة ولا شهودا وانما يطلب علما بربه فوقتا يعطيه ذلك في غير مادة ووقتا يعطيه ذلك في مادة ويعطيه العلم بمدلول تلك المادة الخلوة لها الدعوى وصاحبها مسؤل لها الحجاب الأقرب هي نسبة ما هي مقام أعني الخلوة المعهودة عند القوم لا الخلوة التي هي مقام التي ذكرناها في أول الباب وهذه وان لم تكن مقاما فانها تحصل لصاحبها بالذكر مقامات لها إحاطة بالملك والملكوت والجبروت عند العارفين والملامية من الأدباء أرباب المواقف وأما أهل الوصال والانس من العارفين والملامية فلا يرون لها في الملكوت دخولا وانها مخصوصة بعالم الجبروت والملك لا غير إلا انها لها قرب من الملكوت ما بينها وبينه إلا درجتان فالأدباء الواقفون من الملامية يرون لها ستمائة درجة واحدى وأربعون درجة والعارفون من أهل الانس يرون لها ألف درجة وسبعا وستين درجة والأدباء من العارفين الواقفين يرون لها ستمائة درجة وسبعا وستين درجة والملامية من أهل الانس والوصال يرون لها ألف درجة وستة وثلاثين درجةل تلك المادة الخلوة لها الدعوى وصاحبها مسؤل لها الحجاب الأقرب هي نسبة ما هي مقام أعني الخلوة المعهودة عند القوم لا الخلوة التي هي مقام التي ذكرناها في أول الباب وهذه وان لم تكن مقاما فانها تحصل لصاحبها بالذكر مقامات لها إحاطة بالملك والملكوت والجبروت عند العارفين والملامية من الأدباء أرباب المواقف وأما أهل الوصال والانس من العارفين والملامية فلا يرون لها في الملكوت دخولا وانها مخصوصة بعالم الجبروت والملك لا غير إلا انها لها قرب من الملكوت ما بينها وبينه إلا درجتان فالأدباء الواقفون من الملامية يرون لها ستمائة درجة واحدى وأربعون درجة والعارفون من أهل الانس يرون لها ألف درجة وسبعا وستين درجة والأدباء من العارفين الواقفين يرون لها ستمائة درجة وسبعا وستين درجة والملامية من أهل الانس والوصال يرون لها ألف درجة وستة وثلاثين درجة
الباب التاسع والسبعون في ترك الخلوة وهو المعبر عنه بالجلوة
إذا لم يرى الانسان غير إلهه . . . لدى كل عين فالخلاء محال
فان كنت هذا كنت صاحب خلوة . . . ولله فيه فيصل ومقام
اعلم أيدنا الله وإياكم ان الكشف يمنع من الخلوة وان كان فيها فان الحجاب لها فإذا كوشف علم انه لم يكن في خلوة فأتخاذ الخلوة المعهودة دليل على جهل متخذها فانه عند الكشف يعرف جهله فكل من جهل انه جهل فهو صاحب جهلين ومن عرف انه جهل فهو ذو جهل واحد والذين علموا ان الظاهر من كونه ظاهرا في أعيان العالم وما ثم سواه فهو في خلوة في نفسه إذا لم ينظر إلى من ظهر فيه فأورثه الملا والحلوة فلا تصح له الخلوة من هذا الوجه فمن الناس من يرجح صاحب الخلوة ومن الناس من يرجح نقيضه وهو صاحب الجلوة فالاسم الأول والباطن يطلبان الخلوة والاسم الآخر والظاهر يطلبان تركها وهي الجلوة وانت لأي أسم غلب عليك ولا مفاضلة في الاسماء من وجه ومآل الخلق إلى المقلوب من المآل وهو الملأ فالخلوة دينوية والجلوة أخروية وىلآخرة خير
الباب الثمانون الباب الموفي ثمانين في العزلة
إذا أعتزلت فلا تركن إلى أحد . . . ولا تعرج على أهل ولا ولد
ولا توالي إذا واليت منزلة . . . وغب عن الشرك والتوحيد بالأحد
وانزع إلى طلب العلياء منفردا . . . بغير فكر ولا نفس ولا جسد
وسابق الهمة العلياء تحظ بمن . . . سما باسمائه الحسنى بلا عدد
Page 149