538

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

فمن قائل يجوز له أكله على الإطلاق ومن قائل هو محرم عليه على الإطلاق ومن قائل إن لم يصد من أجله ولا من أجل قوم محرمين جاز أكله وإن صيد من أجل محرم فهو حرام على المحرم وأما مذهبنا في هذا فلم ينقدح لي فيه شيء ولا ترجح عندي فيه دليل إلا أنه يغلب على ظني الخبر الصحيح الوارد أنه إذا لم يكن للمحرم فيه تعمل فله أكله وترجح أحد احتمالي لفظة الصيد المحرم في الآية لأن الصيد المذكور قد يراد به الفعل وقد يراد به المصيد ولا أدري أي ذلك أراد الحق تعالى أو أراد الأمرين جميعا الفعل والمصيد فمن يرى أنه الفعل لا المصيد فيقول بجواز أكله على الإطلاق ولا معنى لقول من يقول إن صيد من أجله لأني ما خوطبت بنية غيري فإن أمرت أنا الحلال أو أشرت إليه أو نبهته أو أومأت إليه في ذلك أو أعنته بشيء فلي فيه تعمل فيحرم علي ذلك وأنا آثم فيه وهذا القول وإن كنت لم أره لغيري ولكن هو من محتملات القول الثالث وهو قوله إن لم يصد من أجله قد يريد بإشارته أو دلالته وقد يريد أن الحلال نوى أن يصيد ما يأكله المحرم الحلال لا تحجير عليه في تصرفه فأشبه الحق في هذه الصفة فإن رفع التحجير تنزيه عن التقييد فهي صفة إلهية وليس لأحد أن يمتنع بتقييده عن تصريف الحق له إذ كان تقييده من تصريفه فله قبول ما يصرفه فيه كما قبل تقييده لا فرق فهذه عبودية محضة خالصة حيث رأها في الحلال من كونه غير محجور عليه ما حجر على المحرم أعني رأى الصفة الإلهية التي ليس من شأنها أن تقبل الاحتجار بل هو الفعال لما يريد كما أنه تعالى أشبه المقيد المحرم في أمور أوجبها على نفسه لعباده في غير موضع كما قال ' أوفوا بعهدي أوف بعهدكم ' فأدخل نفسه معنا وهذا من أصعب معارض الآية قوله تعالى ' فعال لما يريد ' فإنه ليس بمحل لفعله ووفاؤه بالعهد لمن وفى بعهده لا بد منه لصدقه في خبره فقد فعل ما يريد وليس بمحل لتعلق إرادته لأنه موجود ولا ترجع إلى ذاته من فعله حال لم يكن عليها فهذا غاية الإشكال في العلم الإلهي وإن تساهل الناس في ذلك فإنما ذلك لجهلهم بمتعلق الإرادة والقول الثالث أقرب الأقوال إلى الصحة لأنه أقرب إلى الجمع بين الأحاديث الواردة في هذا الباب وهذا النظر الذي لنا في هذه المسئلة ما هو قول رابع فإنا ما قطعنا بالحكم في ذلك لكن يغلب على ظني ترجيح القول الثالث على القولين وإن لم يكن بذاك الصريح .

وصل في فصل المحرم المضطر هل يأكل الميتة أو الصيد

فمن قائل يأكل الميتة والخنزير دون الصيد ومن قائل يصيد ويأكل وعليه لاجزاء وبالأول أقول فإن اضطر إلى الصيد صاد وعليه الجزاء لأنه متعمد فما خص الله مضطرا من غير مضطر كل مخلووق الاضطرار يصبحه دائما لأنه حقيقته ومع اضطراره فقد كلف فالذي ينبغي له أن يقف عندما كلف فإن الاضطرار المطلق لا يرتفع عنه وإنمايترفع عنه اضطرار خاص إلى كذا فجميع حركات الكون من جهة الحقيقة اضطرارية مجبور فيها وإن كان الاختيار في الكون موجودا نعرفه ولكن ثم علم آخر علمنا به أن المختار مجبور في اختياره بل تعطي الحقائق أن لا مختار لأنا رأينا الاختيار في المختار اضطرار يا أي لا بد أن يكون مختارا فالاضطرار أصل ثابت لا يندفع يصحب الاختيار ولا يحكم على الاضطرار في الاختيار فالوجود كله في الجبر الذاتي لا أنه مجبور بإجبار من غير فإن المجبر للمجبور الذي لولا جبره لكان مختارا مجبور في اختياره لهذا المجبور :

فالخلق مجبور ولا سيما . . . والأصل مجبور فأين الخيار

فكل مخلوق على شكله . . . في حلاة الجبر وفي الاضطرار

تميز المخلوق عن أصله . . . بماله من ذلة وافتقار

فكن مع الحق بأوصافه . . . ما بين جبر دائم واختيار

والله يقول الحق وهو يهدي السبيل

وصل في فصل نكاح المحرم

فمن قائل لا ينكح ولا ينكح فإن نكح فالنكاح باطل ومن قائل لابأس أن ينكح وينكح والذي أقول به إنه مكروه غير محرم والله أعلم الإحرام عقد والنكاح عقد فاشتركا في النسبة فجاز الوطء للمحرم حرام والعقد سبب مبيح للوطء فحرم أو كره فإنه حمى والراتع حول الحمى يوشك أن يقع فيه وإنما اجتنبت الشبه خوفا من الوقوع في المحظور النكاح والعقد لا يصح إلا بين اثنين لا يصح من واحد فحرم أو كره لأنا مطلوبون بمعرفة الوحدة وإثبات الواحد والوحدانية وإلهكم إله واحد فالعم أنه لا إله إلا الله التجلي في الأحدية لا يصح لأن التجلي يطلب الاثنين ولا بد من التجلي فلا بد من الاثنين فعقد النكاح للمحرم جائز فالعارف على قدر ما يقام فيه من أحوال الشهود قيل للجنيد وقد سئل عن المعرفة والعارف فقال لون الماء لون إنائه فأثبت الاثنين فلا بد منك ومنه ولا بد من التمييز فلا بد من الواحد فإن قلت ما في الوجود إلا واحد صدقت وإن قلت ما في الوجود إلا اثنان صدقت وإن قلت ما في الإيجاد إلا اثنان صدقت فإنه عن ذات واحدة وإن قلت ما في الإيجاد إلا واحد صدقت لأنه يستحيل تعلق قدرتين بمقدور والتوحيد غيب والإثبات شهادة وهو سبحانه عالم الغيب والشهادة فأثبت الاثنينية بالنسبة إلى العالم وبالنسبة إلى الله عالم بالشهادة لا غير إذ يستحيل أن يكون عنه شيشء غيبا خلافا لمن يجعل العلة في الرؤية الوجود .

Page 820