Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
أفضل الصيام وأعدله صوم يوم في حقك وصوم يوم في حق ربك وبينهما فطر يوم فهو أعظم مجاهدة على النفس وأعدل في الحكم ويحصل له في مثل هذا الصوم حال الصلاة كحالة الضوء من نور الشمس فإن الصلاة نور والصبر ضياء وهو الصوم والصلاة عبادة مقسومة بين رب وعبد وكذلك صوم داود عليه السلام صوم يوم وفطر يوم فتجمع ما بين ما هو لك وما هو لربك ولما رأى بعضهم أن حق الله أحق لم ير التساوي بين ما هو لله وما هو للعبد فصام يومين وأفطر يوما وهذا كان صوم مريم عليها السلام فإنها رأت أن للرجال عليها درجة فقالت عسى اجعل هذا اليوم الثاني في الصوم في مقابلة تلك الدرجة وكذلك كان فإن النبي صلى الله عليه وسلم شهد لها بالكمال كما شهد به للرجال ولما رأت أن شهادة المرأتين تعدل شهادة الرجل الواحد فقالت صوم اليومين مني بمنزلة اليوم الواحد من الرجل فنالت مقام الرجال بذلك فساوت داود في الفضيلة في الصوم فهكذا من غلبت عليه نفسه فقد غلبت عليه ألوهيته فينبغي أن يعاملها بمثل ما عاملت به مريم نفسها في هذه الصورة حتى تلحق بعقلها وهذه إشارة حسنة لمن فهمها فإنه إذا كان الكمال لها لحوقها بالرجال فالأكمل لها لحوقها بربها كعيسى بن مريم ولدها فإنه كان يصوم الدهر ولا يفطر ويقوم الليل فلا ينام وكان ظاهرا في العالم باسم الدهر في نهاره وباسم القيوم الذي لا تأخذه سنة ولا نوم في ليله فادعى فيه الألوهية فقيل إن الله هو المسيح ابن مريم وما قيل ذلك في نبي قبله فإنه غاية ما قيل في العزير أنه ابن الله ما قيل هو الله فانظر ما أثرت هذه الصفة من خلف حجاب الغيب في قلوب المحجوبين من أهل الكشف حتى قالوا إن الله هو المسيح بن مريم فنسبهم إلى الكفر في ذلك إقامة عذر لهم فإنهم ما أشركوا بل قالوا هو الله والمشرك من يجعل مع الله إلها آخر فهذا كافر لا مشرك فقال تعالى ' لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح بن مريم ' فوصفهم بالستر واتخذوا ناسوت عيسى مجلى ونبه عيسى على هذا المقام فيما أخبر الله تعالى تثبيتا لهم فيما قالوا فقال المسيح يا بني إسرائيل اعبدوا الله ربي وربكم فقالوا كذلك نفعل فعبدوا الله فيه ثم قال لهم إنه من يشرك بالله فقد حرم الله عليه الجنة أي حرم الله عليه كنفه الذي يستره والله قد وصفهم بالستر حيث وصفهم بالكفر فهي آية يعطي ظاهرها نفس ما يعطي ما هو عليه الأمر في ذلك والتأويل فيها يلحق بالذم فإن تفطنت لما ذكرناه وقعت في بحر عظيم لا ينجو من غرق فيه أبدا فإنه بحر الأبد فما أحكم كلام الله لمن نظر فيه واستبصر وكان من الله فيه على بصيرة .
وصل في فصل صوم المرأة التطوع وزوجها حاضر
ذكر مسلم عن أبي هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ' لا تصوم المرأة وعلها شاهد إلا بإذنه ' الحديث الاتفاق على وجوب صوم رمضان ولهذا زاد أبو داود في هبذا الحديث ' غير رمضان ' فاعلم أن المرأة هي النفس المؤمنة وبعلها المتحكم فيها إنما هو إيمانها بالشرع لا الشرع ثم الشارع يشرع لإيمانها به ما شاء أنن يشرع فلا تدخل في فعل ولا تشرع في عمل إلا بإذنه أي بحكمه وقليل من عباد الله من يفعل هذا فتلحظ حكم الشرع في جميع أفعاله عند الشروع في الفعل فلو أنهم فعلوا ذلك لكان خيرا لهم ولهذا يفوتهم خير كثير وعلم كبير .
وصل في فصل صوم المسافر
ثبت في الصحيحين مسلم والبخاري عن ابن عباس أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ليس من البر أن تصوموا في السفر لفظة من في هذاع الحديث من رواية البخاري فإن حديث مسلم ليس البر بغير من سمى السفر سفرا لأنه يسفر عن أخلاق الرجال لما فيه من المشقة والجهد لأهل الثورة ولليسار فكيف حال الضعفاء فمن أسفر له عمله عن عامله صار عن صومه بمعزل وتركه للعامل فلا يدعيه مع أنه صائم وهذا هو الصوم الذي لا يشوبه رياء عنده فإنه ليس من البر أو ليس البر أن يدعي الإنسان فيما يعلم أنه ليس له أنه له ولو كان بربه متحققا وهذه إشارة فقف عندها فقد طال الكلام في هذا الباب .
وصل في فصل في عدد أيام الوجوب في الصوم
عدد أيام الوجوب في الصوم مائتا يوم وستة وعشرون يوما والنذر لا ينضبط فنحضسه وغايته سنة ينقص منها ستة أيام أو ثلاثة أيام من أجل من يحرم صوم أيام التشريق أو يومين وهو موضع الاتفاق يوم الأضحى ويوم الفطر وأقل النذر في الصوم يوم واحد فإن نظرت إلى أقله قلت سبعة وعشرون يوما ومائتان وما عدا هذا العدد فليس بواجب منها لمن جامع في رمضان والظهار وقتل الخطأ ستون ستون ستون ومنها رمضان ثلاثون ومنها للفداء في الحج ثلاثة ولليمين ثلاثة وللتمتع عشرة وللنذر واحد على الأقل ومنها ما هو واجب مخير وموسع ومعين بالزمان مضيق فاعلم أنه لو لم يكن بين الصوم وبين هذه الأفعال التي أوجبته أو الأفعال التي يكون عوضا عنها مناسبة ما صح أن يقوم مقامها وذلك من كل صوم يكون كفارة وهو قولنا الواجب المخير فمنه ما يحل به ما كان حرم عليه ومنه ما يسقط به حق الله عليه ومنه ما يسقط به حق الله وحق الغير عليه وقيل لي لما عرفت بهذه الأيام ووجوبها قد وكلناك إلى نفسك في استخراج هذه المناسبات وما أنت وحدك بل كل من عرف بها حتى علمها حجر عليه أن يعلم بها إذا علمها بأي طريق فهذا منعني من إيضاح هذه المناسبات فالوقوف عند الأوامر الإلهية والإشارات الربانية على أهل هذه الطريق واجب .
وصل في فصل السواك للصائم
Page 782