Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
النصاب المقدار وهو الذي يصح أن يقال فيه كم ويكون كيلا ووزنا وقد بين الشارع نصاب المكيل ونصاب الموزون الاعتبار في هذا المكيل المعقول لما ورد في الخبر النبوي من تقسيم العقل في الناس بالقفيز والقيزين والأكثر والأقل فالحقه الشارع بالمكيل وإن كان معنى فهو صاحب الكشف الأتم الأعم الأجلى وقد عرفناك قبل أن الحضرات ثلاث عقلية وحسية وخيالية والخيالية هي التي تنزل المعاني إلى الصور المحسوسة أعني تجليها فيها إذ لا نعقلها إلا هكذا ومن هذه الحضرة قسم الشارع العقل كيلا يكون اعقل أظهره له الحق في صورة المكيل أعني العقول لما أراد الله من ذلك وأما الموزون فالأعمال وهي أيضا معان عرضية تعرض للعامل فألحقها الله بالموزون فقال ونضع الموازين القسط ليوم القيامة وقال فمن يعمل مثقال ذرة فأدخل العمل في الميزان فكان موزونا ولكن في هذه الحضرة المثالية التي لا تدرك المعاني إلا في صورة المحسوس حتى التجلي الإلهي في النوم فلا ترى الحق إلا صورة وقد ورد في ذلك من الأخبار ما يغني عن الاستقصاء في تحقيق ذلك وهو شيء يعلمه كل إنسان إذ كل إنسان له تخيل في اليقظة والمنام ولهذا يعبر ما يدركه الخيال كما عبر الشارع عليه السلام من صورة اللبن إلى العلم ومن صورة القيد إلى الثبات في الدين فهذا معرفة النصاب بما هو نصاب لا بما هو نصاب في كذا فإن ذلك يرد في نصاب ما تخرج منه الزكاة ويندرج في هذا الباب معرفة ماله كمية واحدة وكميات كثيرة فإن لنا في ذلك مذهبا من أجل أن قطعة الفضة أو الذهب قد تكون غير مسكوكة فتكون جسما واحدا فإذا وزنت أعطى وزنها النصاب أو أزيد من ذلك فمن كونها جسما واحدا هل لذلك الجسم كمية واحدة أو كميات كثيرة أعني أزيد من واحد فاعلم أن الأعداد تعطي في الشيء كثرة الكميات وقلتها والعدد كمية فإن كان العدد بسيطا غير مركب فليس له غير كمية واحدة وهو من الواحد إلى العشرة إلى عقد العشرات عقدا عقدا كالعشرين والثلاثين إلى المائة إلى المائتين إلى الألف إلى الألفين وانتهى الأمر فإذا كان الموزون أو المكيل ينطلق عليه وهو جسم واحد أحد هذه الألقاب العددية فإنه ذو حكم واحد فإن انطلق عليه غير هذه الألقاب من الأعداد مثل أحد عشر أو مثل مائة وعشرين أو مثل ثلاثمائة ومثل ثلاثة آلاف أو ما تركب من العدد فكمياته من العدد بحسب ما تركت أو بكون الموزون ليس جسما واحدا كالدراهم والدنانير فله أيضا كميات كثيرة فإن كان العدد مركبا والموزون مجموعا من آحاد كان العدد والموزون هو كميات فإن كان أحدهما مركبا أو مجموعا والآخر ليس بمجموع أو ليس بمركب كان ما ليس بمركب ولا مجموع ذو كمية واحدة وكان المركب والمجموع ذا كميات فاعلم ذلك وتحدث الكميات في الأجسام بحدوث الانقسام إذ الأجسام تقبل القسمة بلا شك ولكن هل يرد الانفصال بالقسمة على الاتصال أم لا فإن ورد على الاتصال كما يراه بعضهم فالجسم الواحد ذو كميات وإن لم يرد على الاتصال كما يراه بعضهم فليس له سوى كمية واحدة وهذا التفصيل الذي ذكرناه نحن من كميات الموزون وكميات العدد على هذا ما رأينا أحدا تعرض إليه وهو مما يحتاج إليه ولابد ومن عرف هذه المسئلة عرف هل يصح إثبات الجوهر الفرد الذي هو الجزء الذي لا يقبل القسمة ما لا يصح ثم لتعلم أن من حكمة الشرع جمعه أصناف العدد فيما تجب فيه الزكاة وهي الفردية فجعلها في الحيوان فكان في ثلاثة أصناف والثلاثة الأول الإفراد وهي الإبل والبقر والغنم وجعل الشفعية في صنفين في المعدن وهو الذهب والفضة وفي الحبوب وهو الحنطة والشعير وجعل الأحدية في صنف واحد من الثمر وهو الثمر خاصة هذا بالإنفاق بلا خلاف وما عدا هذا مما يزكي فبخلاف غير مجمع عليه فمنه خلاف شاذ ومنه غير شاذ .
وصل في فصل زكاة الورق
اتفقوا على أنه خمس أواق للخبر الصحيح والأوقية أربعون درهما هذا هو النصاب في الورق وزكاته خمسة دراهم وذلك ربع العشر وصل الاعتبار في ذلك لكل صنف كمال ينهى إليه فالكمال في الصنف المعدني حازه الذهب وسيأتي ذكره في زكاة الذهب والورق على النصف من درجة الكمال والمدة الزمانية لحصول الكمال المعدني سنة وثلاثون ألف سنة والورق ثمان عشرة ألف سنة وهو نصف زمان الكمال وجميع المعادن تطلب درجة الكنال لتحصلها تفطرأ في الطريق علل تحول بينهم وبين البلوغ إلى الغاية فالواصل منها إلى الغاية هو المسمى ذهبا وما نزل عن هذه الدرجة لمرض غاب عليه حدث له اسم آخر من فضة ونحاس وواسرب وقزدير وحديد وزئبق ولم يعرض للأبوين من البرودة واليبوسة ما يؤثر في هذا الطالب درجة الكمال قبل تحكم سلطان حرارة المعدن فإذا كان السالك بهذه المثابة بلغ الغاية لوجد بين الذهب فإن دخل عليه فس سلوكه من البرودة فوق ما يحتاج إليه أمرضه وحال بينه وبين مطلوبه حدث له اسم الفضة فما نزلت عن الذهب إلا بدرجة واحدة والكمال في الأربعة وقد نقص هذا عن الكمال بدرجة واحدة من أربعة والأربعة أول عدد كامل ولهذا يتضمن العشرة فكان في الفضة ربع العشر لنقصان درجة واحدة عن الذهب بغلبة البرودة والبرودة أصل فاعلي والحرارة أصل فاعلي والرطوبة واليبوسة فرعان منفعلان فتبعت الرطوبة البرودة لكونها منفعلة عنها فلهذا تكونت الفضة على النصف من زمان تكوين الذهب ولما كان المنفعل يدل على الفاعل ويطلبه بذاته لهذا استغنى بذكر المنفعل عن ذكر ما انفعل عنه لتضمنه إياه فقال تعالى ' ولا رطب ولا يابس ' ولم يذكر ولا حار ولا بارد وهذا من فصاحة القرآن وإعجازه حيث علم أن الذي أتى به وهو محمد صلى الله عليه وسلم لم يكن ممن اشتغل بالعلوم الطبيعية فيعرف هذا القدر فعلم قطعا أن ذلك ليس من جهته وأنه تنزيل من حكيم حميد وأن القائل بهذا عالم وهو الله تعالى فعلم النبي صلى الله عليه وسلم كل شيء بتعليم الله إياه وإعلامه لا بفكره ونظره وبحثه فلا يعرف مقدار النبوة إلا من أطلعه الله على مثل هذه الأمور فانظر ما أحكم علم الشرع في فرض الزكاة في هذه الأصناف على هذا الحد المعلوم في كل صنف صنف لمن نظر واستبصر .
Page 715