Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
اعلم أنه من شح النفس الادخار والشبهة لها إلى وقت الحاجة فإذا تعين المحتاج كان العطاء وعلى هذا أكثر بعض نفوس الصالحين وأما العامة فلا كلام لنا معهم وإنما نتكلم مع أهل الله على طبقاتهم والقليل من أهل الله من يطلب على أهل الحاجة حتى يوصل إليهم ما بيده فرضا كان أو تطوعا فالفرض من ذلك قد عين الله أصنافه ورتبه على نصاب وزمان معين والتطوع من ذلك لا يقف عند شيء فإن التطوع إعطاء ربوبية فلا يتقيد والفرض إعطاء عبودية فهو بحسب ما يرسم له سيده وإعطاء العبودية أفضل فإن الفرض أفضل من النفل وأين عبودية الاضطرار من عبودية الاختيار وهذا الصنف قليل في الصالحين وشبهتهم أنا لم نكلف الطلب عليهم والمحتاج هو الطالب فإذا تعين لي بالحال أو بالسؤال أعطيته والذين هم فوق هذه الطبقة التي تعطى على حد الاستحقاق فهم أيضا أعلى من هؤلاء وهم الذين يعطون ما بأيديهم كرما إلهيا وتخلقا فيعطون المستحق وغير المستحق وهو عندنا من جهة الحقيقة الآخذ مستحق لأنه ما أخذ إلا بصفة لفقر والحاجة لا بغيرها سواء كانت الأعطية ما كانت من هدية أو وهب أو غير ذلك من أصناف العطايا كالتاجر الغني صاحب الآلاف يجوب القفار ويركب البحار ويقاسي الأخطار ويتغرب عن الأهل والولد ويعرض بنفسه وبماله للتلف في أسفاره وذلك لطلب درهم زائد على ما عنده فحكمت عليه صفة الفقر وأعمته عن مطالعة هذه الأهوال وهونت عليه الشدائد لأن سلطان هذه الصفة في العبد قوية فمن نظر هذا النظر الذي هو الحق فإنه يرى أن كل من أعطاه شيأ وأخذه منه ذلك الآخر فإنه مستحق لمعرفته بالصفة التي بها أخذها منه إلا أن يأخذها قضاء حاجة له لكونه يتضرر بالرد عليه أو ليستر مقامه بالأخذ فذلك يده يد حق كما ورد إن الصدقة تقع بيد الرحمن قبل وقوعها بيد السائل فيربيها له كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله فهذا أخذ من غير خاطر حاجة في الوقت وغاب عن أصله الذي حركه للأخذ وهو أن ذلك تقتضيه حقيقة الممكن فهذا شخص قد استترت عنه حقيقته في الأخذ بهذا الأمر الغرضي فنحن نعرفه حين يجهل نفسه فما أعطى إلا غني عما أعطاه سواء كان لغرض أو عوض أو ما كان فإنه غني عما أعطىة وما أخذ إلا مستحق أو محتاج لما أخذ لغرض أو عوض أو ما كان لأن الحاجة إلى تربية ما أخذ حاجة إذ لا يكون مربيا إلا بعد الأخذ فافهم فإنه دقيق غامض بسبب النسبة الإلهية في التربية للصدقة مع الغنى المطلق الذي يستحقه والنسب الإلهية لا ينكرها إلا من ليس بمؤمن خالص فإن الله يقول ' وأقرضوا الله قرضا ' ويقول ' جعت فلم تطعمني وظمئت فلم تسقني ' وبين ذلك كله فلم يمتنع جل وتعالى عن نسبة هذه الأشياء إليه تنبيها منه لنا إنه هو الظاهر في المظاهر بحسب استعدادتها واليد العليا هي المنفقة فهي خير بكل وجه من اليد السفلى التي هي الآخذة فالمعطي بحق والآخذ بحق ليسا على السواء في المرتبة ولا في الاسم ولا في الحال فما من شيء إلا وله وجه ونسبة إلى الحق ووجه ونسبة إلى الخلق ولهذا جعله انفاقا فقال وأنفقوا مما رزقناهم ينفقون فراعى عز وجل في هذا الخطاب أكابر العلماء لأنهم الذين لهم العطاء من حيث ما هو إنفاق لعلمهم بالنسبتين لأنه من النفق وهو حجر اليربوع ويسمى النافقاء له بابان إذا طلب من باب ليصاد خرج من الباب الآخر كالكلام المحتمل إذا قيدت صاحبه بوجه أمكن أن يقول لك إنما أردت الوجه الآخر من محتملات اللفظ ولما كان العطاء له نسبة إلى الحق والغني ونسبة إلى الخلق والحاجة سماه الله إنفاقا فعلماء الخلق ينفقون بالوجهين فيرون الحق فيما يعطونه معطيا وآخذا ويشاهدون أيديهم هي التي يظهر فيها العطاء والأخذ ولا يحجبهم هذا عن هذا فهؤلاء لا يرون إلا مستحقا فكل آخذ إنما أخذ بحكم الاستحقاق ولو لم يستحقه لاستحال القبول منه لما أعطيه كما يستحيل عليه الغنى المطلق ولا يستحيل عليه الفقر المطلق ثم إن الذين ينتظرون مواقيت الحاجة ويدخرون كما ذكرنا للشبهة التي وقعت لهم فمنهم من يدخر على بصيرة ومنهم من يدخر لا عن بصيرة فلا نسلم لهم ادخارهم في ذلك لأنه لا عن بصيرة وليس من أهل الله فإن أهل الله هم أصحاب البصائر والذي عن بصيرة فلا يخلو إما أن يكون عن أمر إلهي يقف عنده ويحكم عليه أو لا عن أمر إلهي فإن كان عن أمر إلهي فهو عبد محض لا كلام لنا معه فإنه مأمور كما نظنه في عبد القادر الجيلي فإنه كان هذا مقامه والله أعلم لما كان عليه من التصرف في العالم وإن لم يكن عن أمر إلهي فإما أن يكون عن اطلاع إن هذا القدر المدخر لفلان لا يصل إليه إلا على يد هذا فيمسكه لهذا الكشف وهذا أيضا من وجوه عبد القادر وأمثاله وإما أن يعرف أنه لفلان ولابد ولكن لم يطالع على أنه على يده أو على يد غيره فإمساك مثل هذا الشح في الطبيعة وفرح بالوجود ويحتجب عن ذلك بكشفه من هو صاحبه وبهذا احتججنا على عبد العزيز بن أبي بكر المهاوي في ادخاره فوقف ولم يجد جوابا فإنه ادخر لا عن بصيرة إن ذلك على يده ولا عن بصيرة إن ذلك المعين عنده صاحبه فافتضح بين أيدينا في الحال ومثل هذا ينبغي أن لا يدخر ولقد أنصف سيد الطائفة عاقل زمانه المنصف بحاله أبو السعود بن الشبل حيث قال نحن تركنا الحق يتصرف لنا فلم يزاحم الحضرة الإلهية فلو أمر وقف عند الأمر أو عين له وقف مع التعيين وفيه خلاف بين أهل الله فإنه من الرجال من عين لهم أن ذلك المدخر لا يصل إلى صاحبه الأعلى يده في الزمان الفلاني المعين فمنهم من يمسكه إلى ذلك الوقت ومنهم من يقول ما أنا حارس أنا أخرجه عن يدي ذلك الحق تعالى ما أمرني بإمساكه فإذا وصل الوقت فإن الحق يرده إلى يدي حتى أوصله إلى صاحبه وأكون ما بين الزمانين غير موصوف بالادخار لأني خزانة الحق ما أنا خازنة إذ قد تفرغت إليه وفرغت نفسي له لقوله وسعني قلب عبدي فلا أحب أن يزاحمه في تلك السعة أمر ليس هو فاعلم لك فقد نبهتك على أمر عظيم في هذه المسئلة فلا تصح الزكاة من عارف إلا إذا ادخر عن أمر إلهي أو كشف محقق معين إنه ما يسبق في العلم أن يكون لهذا الشيء خازن غيره فحينئذ يسلم له ذلك وما عدا هذا فإنما يزكي من حيث تزكى العامة انتهى الجزء الثالث والخمسون . |
بسم الله الرحمن الرحيم
وصل في فضل تقسيم الناس في الصدقات المعطي منهم والآخذ
Page 710