401

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

واخلتفوا أين يقوم الإمام من الجنازة فقالت طائفة يقوم في وسطها ذكرا كان أو أنثى وقال قوم يقوم من الذكر عند رأسه ومن الأنثى عند وسطها ومنهم من قال يقوم منهما عند صدرهما وقال قوم منهما حيث شاء ولا حد في ذلك وبه أقول وصل الاعتبار في ذلك للخيال والوهم سلطان ومقصود المصلي إنما هو سؤال الله تعالى والحديث معه في حق هذا الميت وإحضار الميت بين يديه فلا يبالي أين يقوم منه فإن التردد في ذلك يقصم الخاطر عن المقصود ولاسيما إن كانت الجنازة أنثى فيتوهم الإمام إذا وقف عند وسطها أن يسترها عمن خلفه فلم يسترها عن نفسه ويقدح ذلك التوهم في حضوره في حقها مع الله فإن الحق إنما يستقبله على الحقيقة من الإنسان قلبه فإذا كان قلب المصلي بهذه المثابة من التفرقة واستحضار ما لا ينبغي بالتوهم فقد أساء الأدب في الشفاعة ومن هذه حاله فليس بشفيع وكان هذا المصلي أولى باسم الميت من الميت لسوء أدبه مع الله ومع الموت ومع الميت فلا يحضر المصلي أين يقوم من الجنازة وليستفرغ همته في الله الذي دعاه إلى الشفاعة فيها عنده وكم من مصل على جنازة والجنازة تشفع فيه جعلنا الله من الشافعين هنا وهناك الإنسان مكلف من رأسه إلى رجليه وما بينهما فإنه مأمور بأن لا ينظر إلى ما لا يحل له النظر إليه شرعا وبجميع ما يختص برأسه من التكليف ومأمور بأن لا يسعى بإقدامه إلى ما لا يحل له السعي إليه وفيه ومنه وما بينهما مما كلفه الله أن يحفظه في تصرفه من يد وبطن وفرج وقلب فلو تمكن للمصلي أن يعم الميت بذاته كلها لفعل فليقم منها حيث ألهمه الله والقيام عند قلبه وصدره أول فإنه كان المستخدم لجميع الأعضاء بالخير والشر فذلك المحل هو أولى أن يقوم المصلي الشافع عنده بلا شك ويجعله بينه وبين الله ويعينه فإنه إذا غفر له غفر لسائر جسده فإن جميع الأعضاء تبع للقلب في كل شيء دنيا وآخرة ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ' إن في الجسد بضعة إذا صلحت صلح سائر الجسد وإذا فسدت فسد سائر الجسد ألا وهي القلب كذلك إذا قبلت الشفاعة فيها قبلت في سائر الجوارح أراد الشرع بالقلب هنا المضغة التي يحوي عليها الصدر ولا يريد بالقلب لطيفته وعقله وفي هذا التنبيه هنا سر لمن فهم وعلم لا يحصل إلا بالكشف يقول تعالى ' إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب ' وقال ' وليتذكر أولوا الألباب ' كما قال أيضا ' ولكن تعمى القلوب التي في الصدور ' وفي باب الإشارة عن الحق فيريد بالصلاح والفساد إذا أراد المضغة ما يطرأ في البدن من المرض والصحة والموت فإن القلب الذي هو هذه المضغة هو محل الروح الحيواني ومنه ينتشر الروح الحيواني في جميع ما يحس من الجسد وما ينمي وهو البخار الخارج من تجويف القلب الذي يعطيه الدم الذي أعطاه الكبد فإذا كان الدم صالحا كان البخار مثله فصلح الجسد وبالعكس فهو تنبيه من الشارع لنا بما هو الأمر عليه فإن العلم بما هو الأمر عليه في هذا الجسم الطبيعي العنصري الذي هو آلة للطيفة الإنسان المكلفة في إظهار ما كلفه الشارع إظهاره من الطاعات التي تختص بالجوارح فإذا لم يتحفظ الإنسان في غذائه ولم ينظر في صلاح مزاجه وروجه الحيواني المدبر لطبيعة بدنه اعتلت القوى وضعفت وفسد الخيال والتصور من الأبخرة الفاسدة الخارجة من القلب وضعف الفكر وقل الحفظ وتعطل العقل بفساد الآلات التي بها يدرك الأمور فإن الملك إنما هو بوزعته ورعاياه وكذلك الأمر أيضا إن صلح فاعتبر الشارع الأصل المفسد إذا فسد لهذه الآلات والمصلح لهذه الآلات إذا صلح إذ لا طاقة للإنسان على ما كلفه ربه إلا بصلاح هذه الآلات واستقامتها وسلامتها من الأمور المفسدة لها ولا يكون ذلك إلا من القلب فهذا من جوامع الكلم الذي أوتيه صلى الله عليه وسلم فلو أراد بالقلب العقل هنا ما جمع من الفوائد ما جمع بإرادته القلب الذي يحوي عليه الصدر ولهذا جاء باسم المضغة والبضعة لرفع الشك حتى لا يتخيل خلاف ذلك ولا يحمله السامع على العقل وكذلك قال الله ولكن تعمى القلوب التي في الصدور فإذا فسدت وعميت عن إدراك ما ينبغي فإن فساد عين البصيرة فيما يعطيه البصر إنما هو من فساد البصر وفساد البصر إنما هو من فساد محله وفساد محله إنما هو من فساد روحه الحيواني الذي محله القلب فقيام المصلي عند صدر الجنازة عند الصلاة عليها أولى وأحق لأجل قلبه الذي هو الأصل في صلاحه وفساده . هو الأصل في صلاحه وفساده .

وصل في فصل ترتيب الجنائز عند الصلاة

Page 647