Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
أجمع العلماء على أن المريض إذا بقي عليه عقل التكليف أنه مخاطب بأداء الصلاة وأنه يسقط عنه منها ما لا يستطيعه من قيام وركوع وسجود واختلفوا فيمن استطاع أن يصلي جالسا وفي هيئة الذي لا يقدر على الجلوس ولا على القيام فأما المصلي جالسا فقال قوم هو الذي لا يستطيع القيام أصلا وقال قوم هو الذي يشق عليه القيام من المرض وأما صفة الجلوس فقال قوم يجلس متربعا في الجلوس الذي هو بدل من القيام وكره ابن مسعود الجلوس متربعا وأما الذي لا يقدر على القيام ولاعلى الجلوس فقوم قالوا يصلي مضطجعا وقوم قالوا يصلي كيف تسير له وقوم قالوا يصلي ورجلاه إلى القبلة وقوم قالوا يصلي على الجنب من لا يستطيع الجلوس فإن لم يستطع على جنب صلى مستلقيا ورجلاه إلى القبلة والذي أذهب اليه وأقول به أن الله قد رفع عن المسلم المكلف الحرج في دين الله وأمره أن يتقي الله ما استطاع فليصل المريض على قدر استطاعته وكما تيسر له ورفع الحرج عنه الذي يضر به في الزيادة من مرضه ولا يترك الصلاة أصلا ولو سقط عن استطاعته الإتيان بجميع الأركان وجميع الشروط المصححة لصلاة الصحيح فإن خطاب الشارع إنما يكلفه على حاله الذي يقدر عليه فإن الله ما كلف نفسا إلا وسعها وما آتاها وخفف عنها أكثر من هذا بقوله تعالى سيجعل الله بعد عسر يسرا متصلا بقوله تعالى لا يكلف الله نفسا إلا ما أتاها فكأنه يقول وإن أعطاها وفعلته بمشقة هي عسر في حق المكلف فكان اليسر قوله ما عليكم في الدين من حرج فما أشد رفقه بعباده وصل الاعتبار في ذلك الأمراض ثلاثة أنواع بدنية ونفسية وعقلية لا رابع لها فالبدنية هي التي كنا بصددها وهي التي يعرفها علماء الرسوم والأمراض النفسية الهموم المشتملة على أداء حق الله وجب عليها والأمراض العقلية الشبه المضلة القادحة في الأدلة وفي الإيمان تحول بين العقل من العاقل وبين صحو الإيمان فأما الأمراض النفسية مع وجود الإيمان فإن الإيمان في هذا المؤمن للنفس بمنزلة وجود العقل للمريض المرض البدني فيؤدي صلاتة في مناجاة ربه ومشاهدته كما كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه كان يجهز الجيش في الصلاة فإن المؤمن الصادق ماله حديث إلا مع ربه ولا يناجي أحد من عباد الله دون أن يرى في ذللك مناجاة ربه بحسب ما يليق فصاحب مرض النفس المؤمن يناجي ربه من حيث إيمانه في عين همومه فيكون شغله منه فيه به فلا يبرح في همه وإيمانه بالله يقول له همك هو الله ونظرك فيه إنما هو بالله فإن الله هو الوجود والموجود وهو المعبود في كل معبود وفي كل شيء وهو وجود كل شيء وهو المقصود من كل شيء وهو المترجم عنه كل شيء وهو الظاهر عند ظهور كل شيء وهو الباطن عند فقد كل شيء شيئا وهو الأول من كل شيء وهو الآخر من كل شيء فلا تفوت المؤمن عبادة الله في كل وجه وعل كل حال فإن الأمراض النفسية لا تقدح في الإيمان وأما الأمراض العقليه فهي القادحة في الإيمان والإيمان له تعلقان تعلق بوجود الحق وتعلق بتوحيد الحق وأما الإيمان بأحدية الحق من حيث ذاته فذلك من مدارك النظر العقلي عند أهل النظر وعندنا من وجه أفكارنا وأما من جهة الذكر والكشف فلا وكذلك توحيد الحق يدرك الإيمان ويدرك بالنظر ولم تتعرض شريعة لاحدية الذات بطريق التنصيص عليها وإن كانت ترد مجملة فلهذا لاتدخل في سلك الإيمان فإن كان المرض العقلي قد حال بينك وبين صحة الإيمان بوجود الحق فقد حال بينك وبين العلم الضروري فإن العلم بوجود الصانع عند ظهور الصنعة للناظر ضروري وإن لم يعلم حقيقة الصانع ولا ماهيته ولا ما يجب أن يكون عليه ويجوز ويستحيل إلا بعد نزر فكري وإخبار إلهي نبوي فهذا مرض لاطب فيه ومن فقد العلم الضروري كان بمنزلة المريض الذي قد استفرغ المرض نفسه بحيث لا يعلم أنه مريض ولا ما هو فيه فيرتفع عنه خطاب الشرع لأنه لاعقل له وأما إذا كان معه الإيمان أو العلم الضروري بوجود الحق الخلق نفي المرض المزيل لصحة التوحد بأن يقلد فيكون مؤمنا أو ينظر ويستدل فيكون عالما فإن حصل عن نظر واستدلال فمرضه أن لا يقبل من الشارع ما جاء به من صفات الحق القادحة في أحدية الذات مع صحة توحيد الإله عقلا وشرعا صلى وأقام عبادته مع هذا المرض فإنه نافعه إذا عقله فيه من المرض بحيث أن لا يستطيع إلا هذا القدر الذي ذكرناه من توحيد الله تعالى فإن المؤمن الصحيح الإيمان هو الذي وصفه الشارع والمؤمن المريض في إيمانه هو الذي يعبد الله الذي دل عليه العقل لاغير وقد نبهتك على أمر يتضمن عذر كل من إعتذار وإذا صح التوحيد التوحيد فهو المطلوب من كل موجود فكيف إذا انضاف إلى ذلك اداء العبادات المشروعة في الحركات الخارجة والداخلة .
وصل في فصل الأسباب التي تفسد الصلاة وتقتضي الاعادة
فاتفقوا على أنه كل من أخل بشرط من شروط صحة الصلاة عمدا أو نسيانا وجبت عليه الاعادة كاسقبال القبلة والطهارة بذلك أقول إلا أني أزيد في العمد من غير عذر الاعتبار شروط السعادة التوحيد أعني عدم الخلود في النار وشروط النجاة من كل مقام مهلك من مقام الآخرة ما لا تصح النجاة منه إلا بوجوده من غير نظر إلى الرحمة التي وسعت كل فإن قلب العارف أوسع من رحمة الله وإن كان وجوده من رحمة الله فإن رحمة الله يستحيل أن تسع الله فإن الله لا يتصف بأنه مرحوم وقلب العارف بالله يسع الحق كما قال وسعني قلب عبدي المؤمن فرحمة الله وسعت كل شيء وقلب العبد العارف يسع الحق والرحمة التي وسعت مكل شيء فهو الواسع المطلق والعلة في ذلك كون الوجود وجود الحق فتنبه يا غافل عن درك هذه المعاقل
وصل في فصل الحدث الذي يقطع الصلاة هل يقتضي الإعادة أم يبني على مامضى
من صلاته
Page 582