Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya
الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية
Publisher
دار إحياء التراث العربي
Edition
الأولى
Publication Year
1418هـ- 1998م
Publisher Location
لبنان
بسم الله الرحمن الرحيم فنقول من ذلك تشهد عمر رضي الله عنه وهو التحيات لله الزاكيات لله السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله أخذت به طائفة وأما تشهد عبد الله بن مسعود وهو التحيات لله والصلوات والطيبات السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله أخذ به الأكثر من الناس لثبوت نقله وأما تشهد ابن عباس وهو التحيات المباركات والصلوات الطيبات لله سلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته سلام علينا وعلى عباد الله الصالحين أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله أخذت به طائفة وكلها أحاديث مروية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فالعارف إذا تشهد بهذا التشهد فإما أن يكون في حال قبض وهيبة وجلال عن اسم إلهي وإما أن يكون في حال أنس وجمال وبسط عن اسم نفسه في صلاته وكل جارحة من جوارح جسمه في صلاته بما يليق بها مما طلبه الحق منه من الهيآت أن يكون عليها في صلاته بالنظر إلى كل جارحة وقوة فيعمرها سواء كان في حال هيبة أو أنس وهو أكمل الأحوال فانحصر الأمر في ثلاثة مقامات مقام جلال ومقام جمال ومقام كمال فيتشهد بلسان الكمال وهو الأول للسالك فيقول التحيات لله أي تحيات كل محي ومحي بها في جميع العالم والنسب الإلهية كلها لله أي من أجل الله الاسم الجامع الذي يجمع حقائقها وذلك لأن كل تحية في العالم إنما هي مرتبطة بحقيقة إلهية كانت ما كانت فمتى ما لم يجمع الإنسان بنيته وقلبه كما جمع بلفظة التحيات بقوته من الحقائق الإلهية كلها إلى الحقيقة الواحدة المشروعة له في تحيته من حيث ما هو مقيد بها من جهة شرعه خاصة لم يستبر لنفسه في كمال صلاته وقوله الزاكيات لله يقول التحيات المطهرات الناميات أي التي ينمي خيرها على قائلها من الحقائق الإلهية التي أوجدت تلك التحيات بحسب ما تعطيه أسماؤها ثم يقول السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته بالألف واللام التي للجنس لا التي للعهد فيكون سلامه على النبي صلى الله عليه وسلم مثل تحياته للشمول والعموم أي بكل سلام وهذا يؤذن بأن العبد قد انتقل من مشاهدة ربه من حيث الإطلاق أو أمر ما من الأمور التي كان فيها في سجوده إلى مشاهدة الحق في النبي صلى الله عليه وسلم فلما قدم عليه بالحضور سلم عليه مخاطبا مواجهة بالنبوة لم يسلم عليه بالرسالة فإن النبوة في حق ذات النبي أعم وأشرف فإنه يدخل فيها ما اختص به في نفسه وما أمر بتبليغه لأمته الذي هو منه رسول فعم وعرف ما ينبغي أن يخاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك الحضور وأنه به من غير حرف نداء يؤذن ببعد لما هو عليه من حال قربه ولهذا جاء بحرف الخطاب ثم عطف بعد السلام عليه بالرحمة الإلهية لشمولها الامتنان والوجوب فأضافها إلى الله لما رزقه صلى الله عليه وسلم من السلامة من كل ما يشنوه في مقامه ذلك وعطف بالبركات المضافة إلى الهوية والبركات هي الزيادة وقد أمر أن يقول رب زدني علما فكأن هذا المصلي في هذه التحيات يقول له سلام عليك ورحمته تقتضي الزيادات عندك من العلم بالله الذي هو أشرف الحالات عند الله كما جاء بالزاكيات في التحيات فناسب بين الزكاة والبركة ولهذا جعل الله تعالى البركة في الزكاة التي هي الصدقات لارتباطها بها لأن الصدقة إخراج ما كان في اليد وهي الزكاة ولا تبقى في الوجود خلاء فيعوضه الله ويملأ يديه من الخير العلمي وغيره من الثواب المحسوس في دار الكرامة ما لا يقدر قدره في مقابلة ما أخرجه ثم يقول السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فسلم على نفسه بشمول السلام وأجناسه كما سلم على النبي صلى الله عليه وسلم يقول تعالى فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم والدخول في كل حال من أحوال الصلاة كالبيوت في الدار الجامعة تحية من عند الله مباركة طيبة فجعلك رسولا من عنده إلى نفسك بهذه التحية المباركة لما فيها من زوائد الخير الطيبة فإنها حصلت له ذوقا فاستطابها كما أنها طيبة الأعراف بسير أنها من نفس الرحمن وجاء بنون الجمع في قوله السلام علينا يؤذن أنه مبلغ سلامه لكل جزء فيه مما هو مخاطب بعبادة خاصة وإنما سلم عليهم لكونه جاء قادما من عند ربه لغيبته عن نفسه حين دعاه الحق إلى مناجاته فكبر تكبيرة الإحرام فمنعته هذه الحالة أن ينظر إلى غير من دعاه إليه فلهذا سلم على نفسه بنون الجماعة وذلك إذا كان هذا العبد قد دخل إلى بيت قلبه ونزه الحق أن يكون حالا فيه وإن وسعه كما قال الله لما يقتضيه جلال الله من عدم المناسبة بين ذاته تعالى وبين خلقه ورأى بيت قلبه خاليا من كل ما سوى الله والحق لا يسلم عليه فإنه هو السلام وقد نهوا عن ذلك لأنهم كانوا يقولون السلام على الله في التشهد فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم لا تقولوا السلام على الله فإن الله هو السلام فلما دخل بيته ولم ير فيه أحدا أو نزه الحق أن يحوي عليه بيت قلبه فما بقي له أن يشهد سوى عالمه المكلف وليس سوى نفسه وقد أمره الله إذا دخل بيتا خاليا من كل أحد أن يسلم على نفسه في قوله فإذا دخلتم بيوتا فسلموا على أنفسكم فيكون العبد هنا مترجما عن الحق في سلامه لأنه قال تحية من عند الله مباركة كما جاء في سمع الله لمن حمده فكذلك يقولها في الصلاة نيابة عن الحق جل جلاله وتقدست أسماؤه لأنه ما ثم من حدث له حال دخول أو خروج فيكون السلام منه أو عليه فدل على أنه تجل خاص ولابد فافهم إن أردت أن تكون من أهل هذا المقام في الصلاة ثم عطف من غير إظهار لفظ السلام على عباد الله الصالحين فشمل بالألف واللام ليصيب سلامه كل عبد صالح لله في السموات والأرض ولا ينوي من الصالحين ما هو المعهود في العرف ما ثم إلا صالح فإن الله يقول وإن من شيء إلا يسبح بحمده فكل شيء ينزه ربه فهو إذن صالح هذا من علوم الإيمان والكشف فانو بالصالحين الذين استعملوا فيما صلحوا له وليس سوى التسبيح فإن الله أخبر عنهم أنهم بهذه الصفة فلم يبق كافر ولا مؤمن إلا وقد شملت تفاصيله هذه الآية ولكن أكثر الناس لا يعلمون لأنهم لا يسمعون ولا يشهدون ولهذا لم يذكر لفظة السلام في هذا العطف واكتفى بالواو وتنبيها فإنه يدخل فيه من يستحق السلام عليه بطريق الوجوب ومن لا يستحق ذلك بطريق الوجوب فسر حتى لا يتميز المستحق من غير المستحق رحمة منه بعباده إنه هو الغفور الرحيم ولم يعطف السلام الذي سلم به على نفسه على السلام الذي سلم به على النبي صلى الله عليه وسلم بل جعله مبتدأ فإن النبوة أعني نبوة التشريع طور آخر متميز عن طور الاتباع فإنه لو عطف عليه لفظ السلام على نفسه لسلم على نفسه أيضا من جهة النبوة للواو الذي يعطي الاشتراك وباب النبوة قد سده كما سد باب الرسالة وأعني نبوة التشريع وما بقي بأيدينا إلا الوراثة إلى يوم القيامة يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إن الرسالة والنبوة قد انقطعت فلا رسول بعدي ولا نبي فعين بهذا أنه لا مناسبة بيننا وبين الرسل في هذا المقام فحصل له الأولية صلى الله عليه وسلم على التعيين وحصل له الآخرية صلى الله عليه وسلم لا على التعيين فدخل بالسلام الثاني بحرف العطف في عباد الله الصالحين فإنه من الصالحين بلا شك من كل وجه فهو في المرتبة التي لا تنبغي لنا فابتدأنا بالسلام علينا في طورنا من غير عطف واعلم أنه لم نقف على رواية عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في تشهده الذي كان صلى الله عليه وسلم يتشهد به بلسانه في تشهده في الصلاة في قولنا السلام عليك أيها النبي هل كان يقوله بهذا اللفظ أو يقوله بغير هذا اللفظ مثل عيسى عليه السلام إذ قال والسلام علي يوم ولدت ويوم أموت ويوم أبعث حيا أو لا يقول شيئا من ذلك ويكتفي بقولنا السلام علينا وعلى عباد الله الصالحين فإن كان قال مثل ما علمنا أن نقول من ذلك فله وجهان أحدهما أن يكون المسلم عليه هو الحق وهو نائب مترجم عنه تعالى في ذلك كما جاء في سمع الله لمن حمده والوجه الآخر أن يقوم في دعائه في تلك الحالة في مقام غير مقام النبوة ثم يخاطب نفسه من حيث المقام الذي أقيم فيه نفسه أيضا من كونه صلى الله عليه وسلم نبيا ويحضره من أجل كاف الخطاب فيقول صلى الله عليه وسلم بلسانه للمقام الذي أحضره فيه أي أحضر نفسه فيه السلام عليك أيها النبي فعل الأجنبي ثم يقول أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبد الله ورسوله فأما معنى الشهادة فقد تقدم في أول التشهد وهذا التوحيد هنا إنما هو توحيد ما يقتضيه عمل الصلاة عموما وما يقتضيه حال كل مصل في صلاته خصوصا فإن أحوال المصلين تختلف في الصلاة بلا شك من كل وجه من وجوه الأحكام ومن وجوه المقامات فإن صلاة المتوكل تخالف صلاة الزاهد ومن وجوه الأذواق فإن صلاة الراضي تخالف صلاة الشكور وصلاة الصاحي تخالف صلاة السكران في الطريق الذوقي فإن الصحو والسكر هو من علوم الأذواق ثم عطف الشهادة بالعبودية لله والرسالة على شهادة التوحيد ليعلم أنه من أطاع الرسول فقد أطاع الله فإنه صلى الله عليه وسلم ما ينطق عن الهوى وما عليه إلا البلاغ والإبلاغ لا يكون إلا حال مبلغ من مبلغ عنه إلى مبلغ إليه وهو العطف بواو الاشتراك يؤذن بالقرب الإلهي من السيد بما فيه من العبودية لله وبالقرب من المرسل بما فيه من ذكر الرسالة المضافة إلى الهوية التي هي غيب لمن أرسلوا إليهم وللرسول من حيث أن الروح الأمين جاء بها إليه من عند ربه فهو أقرب سند أمنا إلى المرسل وتلقاها رسول الله صلى الله عليه وسلم من الروح بربه لا بنفسه كما يتلقى العارفون ما يأتيهم من ربهم على ألسنة العالم وحركاتهم بربهم لا بأنفسهم فإنه من يرى ربه في نفسه يراه في غيره بلا شك كما يقول أهل الله في حال المتوكل من صح توكله في نفسه صح توكله في غيره وإنما قلنا تلقاها بربه لا بنفسه إذ لو تلقى المتلقي أمر ربه ووحيه بنفسه دون ربه لاحترق في موضعه من سطوات أنوار الروح الأمين ألا تراه مع القوة الإلهية التي أيده الله بها كيف جاء إلى بيت خديجة ترجف بوادره يقول زملوني زملوني دثروني لاضطراب فيه من المحامد أي بها استحق العطف بحرف التشريك ثم قال عبد الله فذكره بعبودية الاختصاص ليعلم بحريته عن كل ما سوى الله وخلوص عبوديته لله ليس فيه شخص لكون من الأكوان ثم عطف بالرسالة على العبودية وعلى الله بالهوية فزاده في العبودية اختصاصين وهما النبوة والرسالة وذكر الرسالة دون النبوة لتضمنها إياها فلو ذكر النبوة وحدها كان يبقى علينا ذكر اختصاصه بالرسالة فيحتاج إلى ذكرها حتى نعلم بخصوص أوصافه ونفرق بينه وبين من ليس له منزلة الرسالة من عباد الله النبيين فهذا تشهد لسان الكمال التشهد بلسان الجمال وأما تشهد لسان الجمال فهو تشهد عبد الله بن مسعود الذي ذكرناه وهو على هذا الحد إلا ما اختص به فما أذكره وهو أن يقول صاحب هذا المقام بلسانه والصلوات والطيبات فأتى بالصلوات لعموم ما تدل عليه في الرحموتيات والدعاء وأنواعه من الأحوال وكلها صلاة هو الذي يصلي عليكم وملائكته وعطف عليها الطيبات من باب عطف النعوت فهي نعت معطوف للصلوات وعليها ليطيب بها نفسا واختص أيضا في هذا التشهد بإضافة العبودية إلى الهوية لا إلى الله وهو مقام شريف في حق رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث أخبر أنه صلى الله عليه وسلم في حال نظره في ربه من حيث ما تستحقه ذاته التي لا يحاط بها علما بل لا تعرف أصلا بالصفة الثبوتية وليست سوى واحدة لا يصح أن تكون اثنتين لأن الفصل المقوم في حق ذاته يستحيل فلا مناسبة بين الله وبين خلقه فإنه من ليس كمثله شيء كيف يصح أن يشبه شيئا أو يشبهه شيء وهذا بخلاف اللسان الأول فإن الإضافة بالعبودية كانت إلى الله لا إلى الهوية وهو أن ينظر فيه من حيث ما يطلبه الممكن ويليق وهو دون ما تشهد به ابن مسعود التشهد بلسان الجلال أما التشهد بلسان الجلال فزاد على ما احتوى عليه التشهدان أن نعت التحيات بالمباركات أي التحيات التي يكون معها البركات وأسقط الزاكيات وكذلك أسقطها ابن مسعود فإنهما راعيا الاشتراك في الزيادة وراعى عمر ما في الزكاة من لتقديس مع وجود الزيادة التي تشترك فيها مع البركة فاكتفى بالزاكيات لذلك وأنكر الزاكيات في التشهد جماعة من علماء الرسوم ممن لا علم له بعلوم الأذواق ومواقع اختلاف خطاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يأت في هذا اللسان في نعت التحيات بحرف عطف وقال فيه سلام بالتنكير وهو تشهد ابن عباس وذلك أنه راعى خصوص حال كل مصل فإن أسماء الله مثل الممكنات لا نهاية لها وكل ممكن له خصوص وصف فله من الله اسم خاص به من ذلك الاسم خص بالوصف الذي يتميز به عن كل ممكن وهذا من أشرف علوم أهل الله وهو مذكور في قوله في دعائه صلى الله عليه وسلم اللهم إني أسألك بكل اسم سميت به نفسك أو علمته أحدا من خلقك أو استأثرت به في علم غيبك وأما أسماء الإحصاء فتسعة وتسعون مائة إلا واحد ولم يصح في تعيينها على الجملة نص ولا روى عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال هي هذه فما جاء ابن عباس بتنكير السلام إلا ليأخذ كل مصل من الاسم الذي يلقى إليه ويناجي الحق فيه وهو المسلم على نبي الله منا صلى الله عليه وسلم وعلينا وعلى عباد الله الصالحين وكذلك اختص بعدم تكرار لفظ الشهادة فتركها فلم يشهد له بعبودية ولا رسالة بشهادة مستأنفة بل شهادته بالتوحيد أغنت واكتفى بالواو لما فيها من قوة الاشتراك وذلك مثل قوله تعالى شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم ولم يعطف بذكر الشهادة تشريفا لهم وإن كان قد فصلهم عن شهادته لنفسه بذكره لا إله إلا هو وأسقط هنا لفظ العبودية لتضمن الرسالة إياها
Page 530