216

Al-Futūḥāt al-Makkiyya fī maʿrifat al-asrār al-malikiyya

الفتوحات المكية في معرفة الاسرار الملكية

Publisher

دار إحياء التراث العربي

Edition

الأولى

Publication Year

1418هـ- 1998م

Publisher Location

لبنان

اعلم أن صورتها في توقيت الغسل بالأعداد صورة الرأس وقد ذكرنا ذلك اتفق العلماء على أن الرجلين من أعضاء الوضوء واختلفوا في صورة طهارتها هل ذلك بالغسل أو بالمسح أو بالتخيير بينهما فأي شيء فعل منهما فقد سقط عنه الآخر وأدى الواجب هذا إذا لم يكن عليهما خف ومذهبنا التخيير والجمع أولى وما من قول إلا وبه قائل فالمسح بظاهر الكتاب والغسل بالسنة ومحتمل الآية بالعدول عن الظاهر منها وصل حكم الرجلين في الباطن وأما حكم ذلك في الباطن فاعلم أن السعي إلى الجماعات وكثرة الخطى إلى المساجد والثبات يوم الزحف مما تطهر به الأقدام فلتكن طهارتك رجليك بما ذكرناه وأمثاله ولا تمش بالنميمة بين الناس ولا تمش في الأرض مرحا واقصد في مشيك ومن هذا ما هو فرض أعني من هذه الأفعال بمنزلة المرة الواحدة في غسل عضو الوضوء الرجل وغيره ومنه ما هو سنة وهو ما زاد على الفرض وهو مشيك فيما يدلك الشرع إلى السعي فيه وما أوجبه عليك فالواجب عليك نقل الأقدام إلى مصلاك والمندوب والمستحب والسنة وما شئت فقل من ذلك مثل نقل الأقدام إلى المساجد من قرب وبعد فإن ذلك ليس بواجب وإن كان الواجب من ذلك عند بعض الناس مسجد إلا بعينه وجماعة لا بعينها فعلى هذا يكون غسل رجليك في الباطن من طريق المعنى واعلم أن الغسل يتضمن المسح بوجه فمن غسل فقد اندرج المسح فيه كاندراج نور الكواكب في نور الشمس ومن مسح فلم يغسل إلا في مذهب من يرى وينقل عن العرب إن المسح لغة في الغسل ولغسل فيما يقتضي العموم هذه هي الطريقة المثلى ولهذا ذهبنا إلى التخيير بحسب الوقت فإنه قد يكون يسعى إلى فضيلة خاصة في حاجة معينة لشخص بعينه فذلك بمنزلة المسح وقد يسعى إلى الملك في حاجة تعم جميع الرعايا أو حاجات فيدخل ذلك الشخص في هذا العموم فهذا بمنزلة الغسل الذي اندرج فيه المسح بيان وإتمام وأما القراءة في قوله وأرجلكم بفتح اللام وكسرها من أجل حرف الواو على أن يكون عطفا على الممسوح بالخفض وعلى المغسول بالفتح فمذهبنا أن الفتح في اللام لا يخرجه عن الممسوح فإن هذه الواو قد تكون واو مع وواو المعية تنصب تقول قام زيد وعمر أو استوى الماء والخشبة وما أنت وقصة من ثريد ومررت بزيد وعمر أتريد مع عمرو وكذلك من قرأ وامسحوا برؤسكم وأرجلكم بفتح اللام فحجة من يقول بالمسح في هذه الآية أقوى لأنه يشارك القائل بالغسل في الدلالة التي اعتبرها وهي فتح اللام ولم يشاركه من يقول بالغسل في خفض اللام فمن أصحابنا من يرجح الخاص على العام ومنهم م يرجح العام على الخاص كل ذلك مطلقا ومذهبنا نحن على غير ذلك إنما نمشي مع الحق بحكم الحال فتعمم حيث عمم وتخصص حيث خصص ولا تحدث حكما فإنه من أحدث حكما فقد أحدث في نفسه ربوبية ومن أحدث في نفسه ربوبية فقد انتقص من عبوديته بقدر تلك المسئلة وإذا انتقص من عبودته بقدر ذلك ينقص من تجلى الحق له وإذا انتقص من تجلى الحق له انتقص علمه بربه وإذا انتقص علمه بربه جهل منه سبحانه وتعالى بقدر ما نقصه فإن ظهر لذلك الذي نقصه حكم في العالم أو في عالمه لم يعرفه فلهذا كان مذهبنا أن لا نحدث حكما جملة واحدة .

باب في ترتيب أفعال الوضوء

اختلف العلماء في ترتيب أفعال الوضوء على ما ورد في نسق الآية فمن قائل بوجوب الترتيب ومن قائل بعدم وجوبه وهذا في الأفعال المفروضة وأما في ترتيب الأفعال المفروضة مع الأفعال المسنونة فاختلافهم في ذلك بين سنة واستحباب وصل في حكم ذلك في الباطن وأما حكم ذلك في الباطن فلا ترتيب إنما تفعل من ذلك بحسب ما تعين عليك في الوقت فإن تعين عليك ما يناسب رأسك فعلت به وبدأت به وكذلك ما بقي وسواء كان ذلك في السنن من الأفعال أو في الفرائض فالحكم للوقت .

باب في الموالاة في الوضوء

فمن قائل إن الموالاة فرض مع الذكر وعدم العذر ساقط مع النسيان ومع الذكر عند العذر ما لم يتفاحش التفاوت ومن قائل إن الموالاة ليست بواجبة وهذا كله من حقيقة في نسق الآية فقد يعطف بالواو في الأشياء المتلاحقة على الفور وقد يعطف بها الأشياء المتراخية وقد يعطف بها ويكون الفعلان معا وهذا لا يسوغ في الوضوء إلا أن ينغمس في نهر أو يصب عليه أشخاص الماء في حال واحدة لكل عضو وصل المولاة في الباطن ومذهبنا في حكم الموالاة في الباطن إنها ليست بواجبة وذلك مثل الترتيب سواء فإنا نفعل من ذلك بحسب ما يقتضيه الوقت وقد ذكرنا نظير هذه المسئلة في رسالة الأنوار فيما يمنح صاحب الخلوة من الأسرار فأعمالنا في هذه الطريق بحسب حكم الوقت وما يعطي فإن الإنسان قد كتبت عليه الغفلات فلا يتمكن له مع ذلك الموالاة ولكن ساعة وساعة فليس في مقدور البشر مراقبة الله في السر والعلن مع الأنفاس فالموالاة على العموم لا تحصل إلا أن يبذل المجهود من نفسه في الاستحضار والمراقبة في جميع أفعاله قال تعالى ' والذين هم على صلاتهم دائمون والمراد بها أنهم كلما جاء وقتها فعلوها وإن كان بين الصلاتين أمور فلهذا حصل الدوام في فعل خاص مربوط بأوقات متباينة وأما مع استصحاب الأنفاس فذلك من خصائص الملأ الأعلى الذين يسبحون الليل والنهار لا يفترون فهذه هي الموالاة وإن حصلت لبعض رجال الله فنادرة الوقوع وأما قول عائشة كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الله على كل أحيانه فإن كانت نقلته عن رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا نشك فيه وإن كانت أرادت بذلك أن أفعاله الظاهرة كلها ما وقع منه مباح قط وإنه لم يزل في واجب أو مندوب فذلك ممكن وهو ظاهر من مرتبته فإنه معلم أمته بحركاته وسكناته للاقتداء فهو ذاكر على الدوام وأما باطنه عليه السلام فلا علم لها به إلا بإخباره صلى الله عليه وسلم ومع هذا يتصور تحصيله عندنا مع التصرف في المباح مع حضوره فيه أنه مباح وكذا إذا أحضر حكم الشرع في جميع حركاته وسكناته بهذه المثابة فيكون ممن حصل الموالاة في عبادته انتهى الجزء الحادي والثلاثون .

Page 426